|
خطبة جمعة بعنوان :" خطورة المخدرات والمسكرات"
الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وزينه بالعقل
وشرفه بالإيمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
أمرنا بالبر والإحسان، ونهانا عن الفسوق والعصيان، وعن كل
ما يضر بالعقول والأبدان، وأشهد أن نبينا محمدا عبده
ورسوله المبعوث بالبينات من الهدى والفرقان، صلى الله وسلم
وبارك عليه وعلى آله وصحبه أولي الفضل والعرفان، والتابعين
ومن تبعهم بإحسان، ما تعاقب الجديدان وتتابع النيران.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون:
أوصيكم بتقوى الله علام السرائر، فإن تقواه أفضل زاد وخير
ما أعد لليوم الآخر، يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر،
يوم لا تنفع الأموال ولا الذخائر، يقول الله سبحانه:
)وَتَزَوَّدُواْ
فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا
أُوْلِي الأَلْبَابِ
([البقرة:
197].
إن تقوى ربنا خير نفــل ***
بإذن الله ريـثي والعجل
أحـمد الـله فلا ند
لـه*** بيديه الخير ماشـاء فعل
عباد الله:
إن البشرية جمعاء تعاني من مصائب وويلات، وفتن وآفات،
أنهكت قواها، وزلزلت بنيانها، وعصفت بقيمها، وأهدرت
ثرواتها، وإن من عظيم هذه الويلات، وأخطر هذه الآفات: آفة
المسكرات والمخدرات، والتي أضحى التصدي لها هم الشعوب
والحكومات، حيث دمرت من تعاطاها وأفسدت بعض المجتمعات،
وانتشرت بسببها الجرائم والخطيئات.
أيها العقلاء:
إن للمسكرات والمخدرات الكثير من المضار، فبسببها تعم
الفتن وتحدق الأخطار، فهي علة للخراب والدمار، ومجلبة لسخط
الجبار، وسبيل مظلم يهدي إلى النار، وتزهق بسببها الأرواح
)وَلاَ
تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ
رَحِيماً (29) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً
فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ
يَسِيراً(
[النساء:29-30]، أخرج البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي
r
أنه قال: "لا يزني الزاني حين
يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"،
فهي تفسد العقل والدين، وتورث صاحبها الفعل المشين، وتجعله
في حال المبغض المهين، كم أتلفت من أموال، وساءت بسببها من
أحوال، وأهدرت من طاقات، وضيعت من أوقات، انظروا إلى حوادث
السيارات، وجرائم الاغتصاب والسرقات، كم يتمت من بنين
وبنات، وأثارت من عداوات، وجلبت العار لأهل الفضل
والمكرمات، كم طأطأت من رؤوس، وأذلت من نفوس، وهذا ماحذرت
منه الشريعة وأكده الواقع الملموس.
أمة الأخلاق:
كيف يقدم عاقل على هذه السموم الفتاكة، والأدواء المهلكة،
ومضارها تربو على مائة وعشرين مضرة، ما بين دينية
واجتماعية، واقتصادية وصحية، يقــول الحســن البصري - رحمه
الله: "لو كان العقل يشترى، لتغالى الناس في ثمنه، فالعجب
ممن يشتري بماله ما يفسده".
وأفضل قَسْمِ الله للمرء عقله***وليس
من الخيرات شيء يقاربـهٌ
ويزري به في الناس قلة***عقلـه وإن
كرمت أعراقه ومناسبة
والإنسان يا عباد الله متى ما فقد عقله أفسد وبغى، وخرب
وطغى، وألحق بالآخرين الضرر وهذا مجمع الشر ومكمن الخطر.
أخرج النسائي أن عثمان - رضي الله عنه - قام خطيبا فقال:
"أيها الناس، اتقوا الخمر،
فإنها أم الخبائث، وإن رجلا ممن كان قبلكم من العباد، كان
يختلف إلى المسجد، فلقيته امرأة سوء، فأمرت جاريتها
فأدخلته المنزل، فأغلقت الباب، وعندها باطية من خمر،
وعندها صبي، فقالت له: لا تفارقني حتى تشرب كأسا من هذا
الخمر، أو تواقعني، أو تقتل الصبي، وإلا صحت وقلت: دخل علي
في بيتي فمن الذي يصدقك؟ فضعف الرجل عند ذلك وقال: أما
الفاحشة فلا آتيها، وأما النفس فلا أقتلها، فشرب كأسا من
الخمر، فقال: زيديني فزادته، فوالله ما برح حتى واقع
المرأة وقتل الصبي". قال عثمان - رضي الله عنه -:
"فاجتنبوها فإنها أم الخبائث،
وإنه، والله، لا يجتمع الإيمان والخمر في قلب رجل، إلا
يوشك أحدهما أن يذهب بالآخر". وعند الحاكم من حديث
ابن عباس - رضي الله عنهما – أن النبي
r
قال: "اجتنبوا الخمر، فإنها
مفتاح كل شر".
إخوة الإسلام:
وشر من هذه الخمرة، المخدرات بحبوبها المتنوعة، ومساحيقها
المفترة، وحقنها المسكرة، تقضي على الضرورات الخمس، من
العقل والمال والعرض والدين والنفس.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : "إن الحشيشة
حرام، يحد متناولها كما يحد شارب الخمر، وهي أخبث من
الخمر، من جهة أنها تفسد العقل والمزاج، حتى يصير في الرجل
تخنث ودياثة، وغير ذلك من الفساد، وأنها تصد عن ذكر الله
"أ.هـ، وهذا حق وصواب، فإن تحريم الخمر يشمل تحريم جميع
أنواع المخدرات والمسكرات، فقد أخرج مسلم عن ابن عمر- رضي
الله عنهما - عن النبي
rأنه
قال: "كل مسكر خمر، وكل مسكر
حرام".
دع الخمر نصح أخ إنها
***
لتوهي القلوب وتردي النهى
أما هي تلـك التـي خربت***
بيوتـا بتقويضها ركنها
أما هي تلك التي ضعضعـت***شعـوبا
ودكت بها مدنـها
أيها الناس:
وحين نلتمس أسباب هذه الظاهرة، بآثارها وأضرارها
المتكاثرة، نجدها في ضعف الإيمان، وتسلط الشيطان، وافق ذلك
فراغا قاتلا، ومالا وافرا، وصحبة سيئة، وتقليداً أعمى،
وهوى متبعا.
إن الشــباب والفراغ والجـدة ... مفـسدة للمــرء أي
مفســدة
ومن الأسباب أيضاً: إهمال الآباء للأبناء، يتسكعون وينشؤون
في أحضان السفهاء، يجلبون لأنفسهم وأهليهم الشقاء، وفي
حديث ابن عمرـ رضي الله عنهما ـ "والرجل راع على أهل بيته
وهو مسؤول عن رعيته" أخرجه البخاري.
ألا فليتق الله من سقط في وحل المخدرات، وليتذكر يوم العرض
على رب الأرض والسموات، وليبادر بالإقلاع والتوبة النصوح،
فإنها الآن ممكنة وبابها مفتوح، ولا تنتظر حتى تقع في
الحسرة والألم، فتندم ولات ساعة مندم.
واعلموا، يا راعاكم الله، أن كل يد تبطش من جراء هذه
السموم، وكل نفس تزهق، ومال يتلف، وصحة تتدهور، على
المروجين كفل من وزرها، فهم أدوات فساد، سخرهم إبليس
لإفساد البلاد والعباد، ألا فليتقوا الله وليتذكروا وعيد
من لا يخلف الميعاد:
)إِنَّ
الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَـاحِشَةُ فِي
الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَـذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْـلَمُ وَأَنتُمْ لَا
تَعْلَمـُونَ(
[النور: 19] وهذا فيمن أحب، فكيف بمن سعى وأجلب.
أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين،
فاستغفروه إنه خير الغافرين.
الخطبة الثانية
الحمد لله بارئ النسم، الحليم المتجاوز عن زلة عبده إذا
ندم، اللطيف بعبده إذا اشتكى ما أصابه من ألم، وأشهد أن لا
إله إلا الله خلق الإنسان من عدم، وأشهد أن محمدا عبده
ورسوله سيد العرب والعجم، صلى الله وبارك عليه وعلى آله
وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فاتقوا الله أيها المسلمون حق التقوى، وراقبوه في السر
والنجوى، واستمسكوا بالعروة الوثقى، واعلموا أن الطرق
لإنقاذ المدمنين كثيرة والوسائل عديدة، وذلك بسؤال
المختصين من أهل الخبرة والآراء السديدة.
وإن أجدى هذه الوسائل، تقوية الوازع الديني لدى المتعاطي،
هذا الوازع الذي رأيناه يريق الخمر في شوارع المدينة
أنهارا، بمجرد أن طرق سمعه نبأ تحريم الخمر والأمر
باجتنابها:
)يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ
وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ
عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ(
[المائدة: 90]،فنادى مناد: "ألا إن الخمر قد حرمت" أخرجه
البخاري، فقال أحدهم: "فما دخل علينا داخل ولا خرج منا
خارج حتى أهرقنا الشراب وكسرنا القلال، قال: وبعض القوم
شربه في يده أراقها قائلا: انتهينا ربنا".
ومن الوسائل المهمة: تنحية المدمن عن المستنقعات الموبوءة،
والبيئة المشبوهة، والصحبة السيئة، وإرشاده إلى صحبة
الخيرين، من الذين يعينونه على التوبة والدين، هذا
ومع اتخاذ الطرق الصحيحة لمعالجة المدمنين، وملء أوقاتهم
بالنافع المفيد، فمن تاب تاب الله عليه، أخرج الترمذي عن
ابن عمر مرفوعا:
"من شرب الخمر لم
يقبل الله له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه"
اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها
ومولاها اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا
أنت واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت اللهم أصلح
لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا, وأصلح لنا دنيانا التي فيها
معاشنا, وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا, واجعل الحياة
زيادة لنا في كل خير, واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم احفظ ألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة وأعمالنا
من الرياء، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر اللهم
أعداءك أعداء الدين، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات،
والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع
قريب مجيب الدعوات، اللهم أصلح ولاتنا وولاة أمور
المسلمين، واحفظ اللهم أميرنا وولي عهده الأمين ربنا آتنا
في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
|
المصدر: موقع البوابة الإسلامية- الموقع
الرسمي لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
- دولة الكويت
|
|