|
المعتزلة النشأة والافكار
بقلم رئيس التحرير : محمد بابا الجماني
"بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ
غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ
"(1)
هكذا
قال النبي صلي الله عليه وسلم في ظهور الاسلام بين ثلة من
الديانات و الملل التي نهجت في ظل فراغ ديني الا ماتبقي من
الحنيفية فكان ظهور الاسلام الذي اضاء الكون لمن غشت فطرتهم
عقائد الشرك و الالحاد فكان نور التوحيد ذلك النور الذي من
الله به على هذه الامة والذي ميزها به عن سالفاتها مع انه دين
شمولي لمن ليس من العرب فكان انتشاره خارج جزيرة العرب و
اعتناق الشعوب له دليل على كونه دينا ربانيا يتماشى والفطرة
السليمة التي جعلها الله قاعدة وحيزا في قلوب العباد لهذا
الدين السامي غير ان انتشار هذا الدين و امتزاجه بامم من غير
العرب لها ثقافاتهاو وبعض المخلفات من اديانها السابقة، وهذه
المخلفات و بقايا المعتقدات ربما عززتها ترجمة بعض الثقافات
الى العربيةمما فتح الباب لدخول افكاراسست لفهم جديد للدين
فكان من شانها ظهور تحليلات وتفا سير مختلفة عن ما دل عليه فهم
من نزل عليهم القران كظهور العقليين من امثال المعتزلة وغيرهم
ممن نهجواطريقا مغايرا و الذين يصدق فيهم قول الله تعالي " وان
هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن
سبيله دلكم وصاكم به لعلكم تتقون" أن حركة المعتزلة كانت
نتيجة لتفاعل بعض المفكرين المسلمين في العصور الإسلامية مع
الفلسفات السائدة في المجتمعات التي اتصل بها المسلمون . وكانت
هذه الحركة نوع من ردة الفعل التي حاولت أن تعرض الإسلام وتصوغ
مقولاته العقائدية والفكرية بنفس الأفكار والمناهج الوافدة
وذلك دفاعاً ع الإسلام ضد ملاحدة تلك الحضارات بالأسلوب الذي
يفهمونه . ولكن هذا التوجه قاد إلى مخالفات كثيرة وتجاوزات
مرفوضة كما فعل المعتزلة في إنكار الصفات الإلهية تنزيهاً لله
سبحانه عن مشابهة المخلوقين .
النشأة والتطور :
المعتزلة فرقة اسلامية نشأت في أواخر العصر الأموي على يد
الشيخ واصل بن عطاء الغزال(2)
( 80 - 131 هجرية ) أحد أبرز
تلامذة الحسن البصري الذي كان يعقد مجا لسه كلامية للرد على
بدع الخوارج وأضاليلهم وقد اعتمدت على العقل المجرد
في فهم العقيدة الإسلامية لتأثرها ببعض الافكار المستوردة
مما أدى إلى انحرافها عن عقيدة أهل السنة والجماعة
،وفي سبب تسميتها بالمعتزلة عدة أقوال أرجحها هو ما يروى عن
اعتزال واصل بن عطاء لمجلس الحسن البصري بعد أن دب خلاف بينهما
في مسألة المصير الأخروي للمسلم الذييرتكب الكبيرة
(3)،
أو بصورة خاصة مصير المسلمين الذين شاركوا في قتل الخليفة
عثمان ( 4 )
، هل بقوا على إيمانهم أم أصبحوا بحكم الكفار ؟
فكان رأي البصري إنهم منافقون ، وأما واصل فقد كان رأيه إنهم
ليسوا كفارا ولا مؤمنين وإنما بمنزلة بين المنزلتين .
وقد اشتهرت المعتزلة من بين جميع الفرق الإسلامية باعتمادهم
على العقل والمنطق لا غير في تحصيل مبادئ الإسلام ومعتقداته
وأحكامه . ويسمون أيضا " بالمفوضة لقولهم بتفويض الإنسان في
جميع أفعاله بصورة مطلقة ودون أي تدخل من الإرادة الإلهية
.
•وقد
اختلفت رؤية العلماء في ظهور الاعتزال، واتجهت هذه الرؤية
وجهتين:
ـ الوجهة الأولى:أن
الاعتزال حصل نتيجة النقاش في مسائل عقدية دينية كالحكم على
مرتكب الكبيرة ، والحديث في القدر، بمعنى هل يقدر العبد على
فعله أو لا يقدر، ومن رأي أصحاب هذا الاتجاه أن اسم المعتزلة
أطلق عليهم لعدة أسباب:
1 ـ أنهم اعتزلوا المسلمين
بقولهم بالمنزلة بين المنزلتين
2 ـ أنهم عرفوا بالمعتزلة بعد
أن اعتزل واصل بن عطاء حلقة الحسن البصري وشكل حقلة خاصة به
لقوله بالمنزلة بين المنزلتين فقال الحسن: "اعتزلنا واصل".
3 ـ أو أنهم قالوا بوجوب
اعتزال مرتكب الكبيرة ومقاطعته .
ـ والوجهة الثانية:أن
الاعتزال نشأ بسبب سياسي حيث أن المعتزلة من شيعة علي رضي الله
عنه اعتزلوا الحسن عندما تنازل لمعاوية، أو أنهم وقفوا موقف
الحياد بين شيعة علي ومعاوية فاعتزلوا الفريقين.
•
أما القاضي عبد الجبار الهمذاني ـ مؤرخ المعتزلة ـ فيزعم أن
الاعتزال ليس مذهباً جديداً أو فرقة طارئة أو طائفة أو أمراً
مستحدثاً، وإنما هو استمرار لما كان عليه الرسول صلى الله عليه
وسلم
وصحابته، وقد لحقهم هذا الاسم بسبب اعتزالهم الشر لقوله تعالى:
(وأعتزلكم وما تدعون) ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (من
اعتزل الشر سقط في الخير)..
•
والواقع أن نشأة الاعتزال كان ثمرة تطور تاريخي لمبادئ فكرية
وعقدية وليدة النظر العقلي المجرد في النصوص الدينية وقد نتج
ذلك عن التأثر بالفلسفة اليونانية والهندية والعقائد اليهودية
والنصرانية لما سنرى في فقرة (الجذور الفكرية والعقائدية) .
• قبل بروز المعتزلة كفرقة
فكرية على يد واصل بن عطاء، كان هناك جدل ديني فكري بدأ
بمقولات جدلية كانت هي الأسس الأولى للفكر المعتزلي وهذه
المقولات نوجزها مع أصحابها بما يلي:
ـ مقولة أن الإنسان حر
مختار بشكل مطلق، وهو الذي يخلق أفعاله بنفسه قالها: معبد
الجهني، الذي خرج على عبد الملك بن مروان مع عبد الرحمن بن
الأشعث .. وقد قتله الحجاج عام 80هـ بعد فشل الحركة .
ـ وكذلك قالها غيلان
الدمشقي في عهد عمر بن عبد العزيز وقتله هشام بن عبد الملك .
ـ ومقولة خلق القرآن ونفي
الصفات، قالها الجهم بن صفوان، وقد قتله سلم بن أحوز في مرو
عام 128هـ .
ـ وممن قال بنفي الصفات أيضاً: الجعد بن درهم الذي قتله خالد
بن عبد الله القسري والي الكوفة .
• ثم برزت المعتزلة كفرقة
فكرية على يد واصل بن عطاء الغزال (80هـ ـ 131هـ) الذي كان
تلميذاً للحسن البصري، ثم اعتزل حلقة الحسن بعد قوله بأن مرتكب
الكبيرة في منزلة بين المنزلتين (أي ليس مؤمناً ولا كافراً)
وأنه مخلد في النار إذا لم يتب قبل الموت، وقد عاش في أيام عبد
الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك، والفرقة المعتزلية التي
تنسب إليه تسمى: الواصيلة.
• ولاعتماد المعتزلة على
العقل في فهم العقائد وتقصيهم لمسائل جزئية فقد انقسموا إلى
طوائف مع اتفاقهم على المبادئ الرئيسة الخمسة ـ التي سنذكرها
لاحقاً ـ وكل طائفة من هذه الطوائف جاءت ببدع جديدة تميزها عن
الطائفة الأخرى .. وسمت نفسها باسم صاحبها الذي أخذت عنه .
• وفي العهد العباسي برز
المعتزلة في عهد المأمون حيث اعتنق الاعتزال عن طريق بشر
المريسي وثمامة بن أشرس وأحمد بن أبي دؤاد وهو أحد رؤوس بدعة
الاعتزال في عصره ورأس فتنة خلق القرآن، وكان قاضياً للقضاة في
عهد المعتصم.
ـ في فتنة خلق القرآن
امتحن الإمام أحمد بن حنبل الذي رفض الرضوخ لأوامر المأمون
والإقرار بهذه البدعة، فسجن وعذب وضرب بالسياط في عهد المعتصم
بعد وفاة المأمون وبقي في السجن لمدة عامين ونصف ثم أعيد إلى
منزله وبقي فيه طيلة خلافة المعتصم ثم ابنه الواثق .
ـ لما تولى المتوكل الخلافة عام 232هـ انتصر لأهل السنة وأكرم
الإمام أحمد وأنهى عهد سيطرة المعتزلة على الحكم ومحاولة فرض
عقائدهم بالقوة خلال أربعة عشر عاماً .
• في عهد دولة بني بويه عام
334 هـ في بلاد فارس ـ وكانت دولة شيعية ـ توطدت العلاقة بين
الشيعة والمعتزلة وارتفع شأن الاعتزال أكثر في ظل هذه الدولة
فعين القاضي عبد الجبار رأس المعتزلة في عصره قاضياً لقضاء
الري عام 360هـ بأمر من الصاحب بن عباد وزير مؤيد الدولة
البويهي ، وهو من الروافض المعتزلة، يقول فيه الذهبي: " وكان
شيعيًّا معتزليًّا مبتدعاً " ويقول المقريزي: " إن مذهب
الاعتزال فشا تحت ظل الدولة البويهية في العراق وخراسان وما
وراء النهر "
• وممن برز في هذا العهد:
الشريف المرتضى الذي قال عنه الذهبي: " وكان من الأذكياء
والأولياء المتبحرين في الكلام والاعتزال والأدب والشعر لكنه
إمامي جلد ".
• بعد ذلك كاد أن ينتهي
الاعتزال كفكر مستقل إلا ما تبنته منه بعض الفرق كالشيعة
وغيرهم .
• عاد فكر الاعتزال من جديد
في الوقت الحاضر، على يد بعض الكتاب والمفكرين، الذين يمثلون
المدرسة العقلانية الجديدة وهذا ما سنبسطه عند الحديث عن فكر
الاعتزال الحديث .
• ومن أبرز مفكري المعتزلة
منذ تأسيسها على يد واصل بن عطاء وحتى اندثارها وتحللها في
المذاهب الأخرى كالشيعة والأشعرية والماتريدية ما يلي:
ـ أبو الهذيل حمدان بن
الهذيل العلاف (135 ـ226 هـ) مولى عبد القيس وشيخ المعتزلة
والمناظر عنها. أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل
بن عطاء، طالع كثيراً من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام
المعتزلة، فقد تأثر بأرسطو وأنبادقليس من فلاسفة اليونان، وقال
بأن " الله عالم بعلم وعلمه ذاته، وقادر بقدرة وقدرته ذاته … "
(5) وتسمى طائفة الهذيلية
.
ـ إبراهيم بن يسار بن
هانئ النظام (توفي سنة 231هـ) وكان في الأصل على دين البراهمة
وقد تأثر أيضاً بالفلسفة اليونانية مثل بقية المعتزلة ..
وقال:بأن المتولدات من أفعال الله تعالى، وتسمى طائفته
النظامية .
ـ بشر بن المعتمر (توفي
سنة 226 هـ) وهو من علماء المعتزلة، وهو الذي أحدث القول
بالتولد وأفرط فيه فقال: إن كل المتولدات من فعل الإنسان فهو
يصح أن يفعل الألوان والطعوم والرؤية والروائح وتسمى طائفته
البشرية.
ـ معمر بن عباد السلمي
(توفي سنة 220 هـ) وهو من أعظم القدرية فرية في تدقيق القول
بنفي الصفات ونفي القدر خيره وشره من الله وتسمى طائفته:
المعمرية .
ـ عيسى بن صبيح المكنى
بأبي موسى الملقب بالمردار (توفي سنة 226هـ) وكان يقال له:
راهب المعتزلة، وقد عرف عنه التوسع في التكفير حتى كفر الأمة
بأسرها بما فيها المعتزلة، وتسمى طائفته المردارية .
ـ ثمامة بن أشرس النميري
(توفي سنة 213هـ)، كان جامعاً بين قلة الدين وخلاعة النفس، مع
اعتقاده بأن الفاسق يخلد في النار إذا مات على فسقه من غير
توبة . وهو في حال حياته في منزلة بين المنزلتين . وكان زعيم
القدرية في زمان المأمون والمعتصم والواثق وقيل إنه الذي أغرى
المأمون ودعاه إلى الاعتزال، وتسمى طائفته الثمامية .
ـ عمرو بن بحر: أبو عثمان
الجاحظ (توفي سنة 256هـ) وهو من كبار كتاب المعتزلة، ومن
المطلعين على كتب الفلاسفة، ونظراً لبلاغته في الكتابة الأدبية
استطاع أن يدس أفكاره المعتزلية في كتاباته كما يدس السم في
الدسم مثل، البيان والتبيين، وتسمى فرقته الجاحظية .
ـ أبو الحسين بن أبي عمر
الخياط (توفي سنة 300هـ) من معتزلة بغداد و بدعته التي تفرد
بها قوله بأن المعدوم جسم، والشيء المعدوم قبل وجوده جسم، وهو
تصريح بقدم العالم، وهو بهذا يخالف جميع المعتزلة وتسمى فرقته
الخياطية .
ـ القاضي عبد الجبار بن
أحمد بن عبد الجبار الهمداني (توفي سنة 414هـ) فهو من متأخري
المعتزلة، قاضي قضاة الري وأعمالها، وأعظم شيوخ المعتزلة في
عصره، وقد أرخ للمعتزلة وقنن مبادئهم وأصولهم الفكرية
والعقدية.
الجذور الفكرية والعقائدية
•
هناك رواية ترجع الفكر المعتزلي في نفي الصفات إلى أصول يهودية
فلسفية فالجعد بن درهم أخذ فكره عن أبان بن سمعان وأخذها أبان
عن طالوت وأخذها طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي.
وقيل: إن مناقشات الجهم بن صفوان مع فرقة السمنية ـ وهي فرقة
هندية تؤمن بالتناسخ ـ قد أدت إلى تشكيكه في دينه وابتداعه
لنفي الصفات .
• إن فكر يوحنا الدمشقي
وأقواله تعد مورداً من موارد الفكر الاعتزالي، إذ أنه كان يقول
بالأصلح ونفي الصفات الأزلية حرية الإرادة الإنسانية .
ـ ونفي القدر عند المعتزلة الذي ظهر على يد الجهني وغيلان
الدمشقي، قيل إنهما أخذاه عن نصراني يدعى أبو يونس سنسويه وقد
أخذ عمرو بن عبيد صاحب واصل بن عطاء فكرة نفي القدر عنالجهني
ـ تأثر المعتزلة بفلاسفة اليونان في موضوع الذات والصفات، فمن
ذلك قول أنبادقليس الفيلسوف اليوناني: "إن الباري تعالى لم يزل
هويته فقط وهو العلم المحض وهو الإرادة المحضة وهو الجود
والعزة، والقدرة والعدل والخير والحق، لا أن هناك قوى مسماة
بهذه الأسماء بل هي هو، وهو هذه كلها"(6)
وكذلك قول أرسطوطاليس في بعض كتبه "إن الباري علم كله، قدره
كله، حياة كله، بصر كله".
فأخذ العلاف وهو من شيوخ المعتزله هذه الأفكار وقال: إن الله
عالم بعلم وعلمه ذاته، قادر بقدرة وقدرته ذاته، حي بحياة
وحياته ذاته.
ـ وأخذ النظام من ملاحدة الفلاسفة قوله بإبطال الجزء الذي لا
يتجزأ، ثم بنى عليه قوله بالطفرة، أي أن الجسم يمكن أن يكون في
مكان (أ) ثم يصبح في مكان (ج) دون أن يمر في (ب) .
وهذا من عجائبه حتى قيل: إن من عجائب الدنيا: " طفرة النظام
وكسب الأشعري " .
ـ وإن أحمد بن خابط والفضل الحدثي وهما من أصحاب النظام قد
طالعا كتب الفلاسفة ومزجا الفكر الفلسفي مع الفكر النصراني مع
الفكر الهندي وقالا بما يلي:
1 ـ إن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة.
2 ـ إن المسيح تدرع بالجسد الجسماني وهو الكلمة القديمة
المتجسدة.
3 ـ القول بالتناسخ.
4 ـ حملا كل ما ورد في الخبر عن رؤية الله تعالى على رؤية
العقل الأول هو أول مبتدع وهو العقل الفعال الذي منه تفيض
الصور على الموجودات ، يؤكد العلماء تأثير الفلسفة اليونانية
على فكر المعتزلة بما قام به الجاحظ وهو من مصنفي المعتزلة
ومفكريهم فقد طالع كثيراً من كتب الفلاسفة وتمذهب بمذهبهم ـ
حتى إنه خلط وروج كثيراً من مقالاتهم بعبارته البليغة .
ـ ومنهم من يرجع فكر المعتزلة إلى الجذور الفكرية والعقدية في
العراق ـ حيث نشأ المعتزلة ـ الذي يسكنه عدة فرق تنتهي إلى
طوائف مختلفة، فبعضهم ينتهي إلى الكلدان وبعضهم إلى الفرس
وبعضهم نصارى وبعضهم يهود وبعضهم مجوس. وقد دخل هؤلاء في
الإسلام وبعضهم قد فهمه على ضوء معلوماته القديمة وخلفيته
الثقافية والدينية.
الاصول الخمسة عند المعتزلة
ينبني
فكر المعتزلة علي خمسة اصول نوجزها فيما يلي:
اولا التوحيد :
س/كل
المسلمين يؤمنون بالتوحيد فلماذا يجعله المعتزلة مبدأ أول في
مذهبهم؟ ج/لأنهم يجعلون لهذا المبدأ مفهوم خاص عندهم ويعني
أمرين 1. التنزيه المطلق 2. التوحيد بين الذات والصفات 1-
التنزيه: "ليس كمثله شيء" لا تشبيه ولا تجسيم وتنزيه الله
تعالى عن أن يكون مثل الأجسام أو الموجودات الحسية ونفي أي
تشبيه بين المخلوقات والله، والآيات التي تفيد التشبيه لا
يقبلها المعتزلة على ظاهرها بل يقومون بتأويلها مثل "ويبقى وجه
ربك ذو الجلال والإكرام" نخرج المعنى الظاهر لكلمة (وجه) ونقول
أن المقصود بها الذات. 2- التوحيد بين الذات والصفات: الله ذات
ووجود وهذا الوجود يتصف بصفات ذكرها الله في كتابه وصف الله
بها نفسه بأنه عالم، كبير، قدير، سميع، خالق، بصير. س/ فما هي
العلاقة بين هذه الصفات والذات الإلهية؟ ج/ هذه الصفات مضافة
للذات، مثلا: الإنسان لا يولد عليم ثم يصبح عليم، المعتزلة
يقولون أن هذه الصفات ليست زائدة عن الذات إنما هي عين ذات
الإلهية (العلم – القدرة – الإرادة – الحياة – السمع – البصر –
*الكلام) سبع صفات للذات. • صفة الذات: هي الصفة التي لا يجوز
أن أصف الله تعالى بها وبضدها فلا يجوز أن أصف الله
بالجاهل×عالم، ولا بالعاجز قادر الخ.. • صفات الفعل: يجوز أن
يوصف الله تعالى بضدها مثل الرزاق فأحيانا يرزق وأحيانا يمنع
الرزق، والمعتزلة يقولون أن *الكلام صفة الفعل وليست صفات
الذات. يقول المعتزلة أن صفات الله الستة لا تنفصل عن الذات
وإنما هي عين الذات الإلهية. سميع بسمعه وسمعه هو عين ذاته،
بصير ببصره وبصره هو عين ذاته وهكذا... لأنه إذا قلنا أن
الصفات ليست عين الذات فمعنى ذلك أن هناك تعدد و تجزؤ في الذات
الإلهية و هذا لا يجوز في رأي المعتزلة لأنه في رأيهم شرك لأنه
عندي ذات قديمة وصفات هي عين الذات ومعنى ذلك أننا نقع في
الشرك ونقول قولا أفظع من قول النصارى في الله. والخروج من هذا
المأزق بالتوحيد بين الذات و الصفات فصفة العلم هي الذات
نفسها، وخصوم المعتزلة يسمونهم المعطلة أو أهل التعطيل أي
عطلوا أن يكون للصفات وجود متمايز. الشيعة والخوارج والإباضية
أخذوا بهذا المبدأ، وهذا هو معنى التوحيد عند المعتزلة ويترتب
على هذا المذهب بعض المواقف العقيدية مثل نفي رؤية الله لا
فالدنيا ولا فالآخرة. "وجوه يوم إذن ناضرة إلى ربها ناظرة".
إلى ليست حرف جر بل تعني النعمة/ ناظرة أي تنتظر تمشيا مع مبدأ
التنزيه فإذا رؤي الله بالأبصار فهو جسم.
ثانيا العدل :
س/لماذا
يجعل المعتزلة العدل صفة ومبدأ أساسي لهم وبخاصة أن العدل صفة
يكون بها كل مسلم؟ ج/ لأنهم يربطون بين صفة العدل الأفعال
الإنسانية ويرون أن الإنسان حر في أفعاله وهم يقولون ذلك لكي
ينقذوا التكليف الشرعي لأن الإنسان المسلم مكلف شرعيا والإنسان
مسئول عن هذه الأفعال حتى يستقيم التكليف ويكون الثواب عدلا
والعقاب عدلا. خلافا للجبرية الذين يعتقدون أن الأفعال من خلق
الله والإنسان مجبور عليها. إلا أن المعتزلة ترى أن عدل الله
يقتضي أن يكون الإنسان هو صاحب أفعاله. يترتب على القول بالعدل
الإلهي بأن الله لا يفعل الشر فأفعال الله كلها حسنة وخيرّة،
الشر إما أن يوجد من الإنسان، أو لا يكون شرا إنما لا نعرف
أسبابها، أو لا نستطيع أن نجد لها مبرر لكنها ليست شرا. يقول
المعتزلة أن الله يفعل ما هو الأصلح لعباده و لا يمكن أن يفعل
الشر لعباده. ويتمثل المعتزلون الذات الإلهية خيرا مطلقا،
ويقولون باللطف الإلهي أن الله يهدي الناس إلى ما فيه الخير
لطفا بهم. القول بالحسن والقبح الذاتيين أو العقليين، والمقصود
بها أفعال الإنسان الحسنة وأفعال الإنسان القبيحة. مثلا الصلاة
فعل حسن، التصدق فعل حسن، إطعام المسكين فعل حسن.../ الزنا فعل
قبيح، الاعتداء.. أفعال سيئة قبيحة. السؤال هو ما الذي يجعل
فعل ما فعل حسن أو قبيح؟ ج/ هناك اتجاه يقول (أن الشرع قد
أخبرني ذلك) يجعل الأفعال حسنة (الشرع أخبرني عن ذلك) يجعل
الأفعال قبيحة إذن الإخبار الشرعي هو المعيار و هذا مبدأ
التيار السلفي النقلي الذي يأخذ بظاهر النصوص. اتجاه آخر يمثله
التيار العقلي يقول أن العقل هو المسئول. س/ ماذا نقصد بالحسن
والقبح الذاتيين؟ ج/ أن الأفعال تحمل في طبيعتها الذاتية الحسن
أو القبح ففعل الزنا في ذاته قبيح. ليس هناك تعارض بين ما هو
نقلي وعقلي. فقه الأحكام يتسع وهذا مدخل من مداخل الاجتهاد
الأساسية. يترتب على مبدأ العدل أيضا القول بخلق القرآن،
فالقرآن كلام الله تعالى والكلام صفة من صفات الله فالله متكلم
وكلم موسى تكليما وصفة الكلام هي إحدى الصفات التي يعتبرها بعض
المسلمين صفات ذات (صفة الذات هي صفة يوصف الله بها ولا يجوز
أن يوصف بضدها مثل الحياة والإرادة.) وهم جمهور الأشاعرة، أهل
السنة. والمعتزلة يعتبرونها صفة من صفات الفعل (لماذا؟) لأنها
من الصفات التي توصف بالحسن أو بالقبح وبالطبع توصف بالحسن
لله.. يقول المعتزلة كلام الله مخلوق أو حادث أي أنه وجد بعد
لم يكن موجودا وتكلم الله به بعد لم يكن متكلما. الخليفة
المأمون فرض القول بخلق القرآن وطلب من الجميع أن يقروا بذلك و
اعتبر القول بقدم الذات الإلهية ضرب من الشرك المضاد للتوحيد.
مفهوم الهرتقة: تعني أي عقيدة خارجة عن العقيدة الإسلامية أو
العقيدة الصحيحة. القرآن يقول عيسى كلمة الله. س/ هل الكلمة
قديمة أم حديثة؟ إذا كانت قديمة فعيسى قديم إذن عيسى إله، وإذا
كانت حديثة فعيسى حادث فهو بشر. لذا المعتزلة قالوا بخلق
القرآن وأنه حادث ومخلوق وليس قديم والذي لا يقولون بخلق
القرآن يضاهون قول النصارى بأن عيسى إله. أهل السنة إجمالا
يقولون كلام الله قديم وبعضهم يقول لا قديم ولا حديث ويسموون
(الواقفة).
ثالثا المنزلة بين منزلتين :
وهذا الأصل يوضح حكم الفاسق في الدنيا عند المعتزلة، وهي
المسألة التي اختلف فيها واصل بن عطاء مع الحسن البصري، إذ
يعتقد المعتزلة أن الفاسق في الدنيا لا يسمى مؤمنا بوجه من
الوجوه، ولا يسمى كافرا بل هو في منزلة بين هاتين المنزلتين،
فإن تاب رجع إلى إيمانه، وإن مات مصرا على فسقه كان من
المخلدين في عذاب جهنم.
رابعا القول بالوعد والوعيد :الله
وعد المؤمنين بجنة وتوعد الكافرين والأشرار بالعذاب وجهنم. س/
هل الله ملزم بإنفاذ وعده ووعيده أم أن الأمر ممكن أن يكون على
وضع آخر؟ مثلا واحد يصلي ويصوم الخ... هل حتما يدخل الجنة؟/
واحد لا يصوم ولا يصلي الخ... هل حتما يدخل النار؟ يقول
المعتزلة (نعم) الله ملزم بإنفاذ وعده والعدل يطلب ذلك ويشترط
ذلك والوعد والوعيد فرعا من العدل، وليس هذا رأي المسلمين
فالأشاعرة يقولون من القرآن أن الله قد توعد تقاة المؤمنين
بالجنة فلا بد أن يدخلوها و توعد الكافرين بالنار فلا بد أن
يخلدوا فيها أما عصاة المسلمين والمذنبين فهم تحت مشيئة الله
فمنهم من يعذب في النار لفترة من الزمن ثم يدخل الجنة ويخلد
فيها ومنهم من يغفر الله لهم كأن يشفع لهم النبي فيدخلون الجنة
من غير أن يعذبوا في النار الله لا يلزم بشئ إنما ما توعد به
لا بد أن ينفذ فهذه مشيئته ومشيئة الرحمن لا تتقلب. لقد قال
أحد الباباوات أن الدين الإسلامي لا يخضع للعقل أما المعتزلة
قالوا أن الله عقلاني وأفعاله تلتزم بمتطلبات العقل فوعد الله
حق ووعيده حق والعدل الإلهي يوجب ذلك.
خامسا الامر بالمعروف والنهي عن
المنكر
:
إلزام أي يجب التدخل ومنع المنكر ومن واجبي أن أؤمر الآخرين
بالمعروف. س/ ما هي درجات الأمر بالمعروف وهل يحق لي أن أتدخل
بالقول (باللسان) مثلا أقول هذا عيب، حرام، لا يجوز، أكتب
مقالة في جريدة.. أم أتدخل باليد بأن أدخل في معركة مع شخص
يتحرش بفتاة بالطريق مثلا، أو الثورة والسلاح كآلية من آليات
الأمر بالمعروف، أو القلب وهو أضعف الإيمان؟ س/ هناك بلدان
جعلت من موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مؤسسة إسلامية
(السعودية) ومن الذي يحق له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر،
القضية الأساسية هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجب
الأفراد أو من واجب المؤسسات والدولة أو المجتمع؟ البعض يرى
الأفراد استنادا للحديث "من رأى منكم...."، الغزالي يرى أنه من
حق الدولة (أولي الأمر) لأنه ممكن أن يربك الأمن العام ويعمل
صراعات شخصية ويترتب عليه فتنة وعصيان واضطرابات مدنية وأمنية.
نظام الحسبة تجسيد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الدولة
عليها مسؤولية فعل ذلك بسن القوانين. الأكثر شيوعا عند
المعتزلة كان النصح والقول أي التغيير باللسان ولم يلجأ
المعتزلة إلى اليد والثورة إلا مرة واحده سنة 144هـ. مع بشير
الرحال في خلافة أبي جعفر المنصور حين خرجوا مناصرين للإمام
الشيعي الزيدي (محمد بن إبراهيم بن الحسن بن علي الملقب بالنفس
الزكية) وثاروا في وجه أبي جعفر المنصور فبعث لهم جيشا قضى
عليهم جميعا. وهذه حالة واحدة وإجمالا كانوا يتبنون موقف النقد
القوي
الفكر الاعتزالي الحديث :
يحاول بعض الكتاب والمفكرين في الوقت الحاضر إحياء فكر
المعتزلة من جديد بعد أن عفى عليه الزمن أو كاد .. فألبسوه
ثوباً جديداً، وأطلقوا عليه أسماء جديدة مثل … العقلانية أو
التنوير أو التجديد أو التحرر الفكري أو التطور أو المعاصرة
أو التيار الديني المستنير أو اليسار الإسلامي ..
ـ وقد قوّى هذه النزعة
التأثر بالفكر الغربي العقلاني المادي، وحاولوا تفسير النصوص
الشرعية وفق العقلالإنساني .. فلجأوا إلى التأويل كما لجأت
المعتزلة من قبل ثم أخذوا يلتمسون في مصادر الفكر الإسلامي ما
يدعم تصورهم، فوجدوا في المعتزلة بغيتهم فأنكروا المعجزات
المادية .. وما تفسير الشيخ محمد عبده لإهلاك أصحاب الفيل
بوباء الحصبة أو الجدري الذي حملته الطير الأبابيل .. إلا من
هذا القبيل .
• وأهم مبدأ معتزلي سار عليه
المتأثرون بالفكر المعتزلي الجدد هو ذاك الذي يزعم أن العقل هو
الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة، حتى لو كانت هذه الحقيقة
غيبية شرعية، أي أنهم أخضعوا كل عقيدة وكل فكر للعقل البشري
القاصر .
• وأخطر ما في هذا الفكر
الاعتزالي .. محاولة تغيير الأحكام الشرعية التي ورد فيها النص
اليقيني من الكتاب والسنة .. مثل عقوبة المرتد، وفرضية الجهاد
، والحدود، وغير ذلك .. فضلاً عن موضوع الحجاب وتعدد الزوجات،
والطلاق والإرث .. إلخ .. وطلب أصحاب هذا الفكر إعادة النظر في
ذلك كله .. وتحكيم العقل في هذه المواضيع . ومن الواضح أن هذا
العقل الذي يريدون تحكيمه هو عقل متأثر بما يقوله الفكر الغربي
حول هذه القضايا في الوقت الحاضر .
• ومن دعاة الفكر الاعتزالي
الحديث سعد زغلول الذي نادى بنزع الحجاب عن المرأة المصرية
وقاسم أمين مؤلف كتاب تحرير المرأة و المرأة الجديدة، ولطفي
السيد الذي أطلقوا عليه: " أستاذ الجيل " وطه حسين الذي أسموه
"عميد الأدب العربي " وهؤلاء كلهم أفضوا إلى ما قدموا . هذا في
البلاد العربية .
أما في القارة الهندية فظهر السير أحمد خان، الذي منح لقب سير
من قبل الاستعمار البريطاني . وهو يرى أن القرآن الكريم لا
السنة النبوية هو أساس التشريع وأحلّ الربا البسيط في
المعاملات التجارية . ورفض عقوبة الرجم والحرابة، ونفى شرعية
الجهاد لنشر الدين ، وهذا الأخير قال به لإرضاء الإنجليز لأنهم
عانوا كثيراً من جهاد المسلمين الهنود لهم .
ـ وجاء تلميذه سيد أمير
علي الذي أحلّ زواج المسلمة بالكتابي وأحل الاختلاط بين الرجل
والمرأة .
ـ ومن هؤلاء أيضاً مفكرون
علمانيون، لم يعرف عنهم الالتزام بالإسلام .. مثل زكي نجيب
محمود صاحب (الوضعية المنطقية) وهي من الفلسفة الوضعية
الحديثة التي تنكر كل أمر غيبي .. فهو يزعم أن الاعتزال جزء من
التراث ويجب أن نحييه، وعلى أبناء العصر أن يقفوا موقف
المعتزلة من المشكلات القائمة(7)
.
ـ ومن هؤلاء أحمد أمين صاحب المؤلفات التاريخية والأدبية مثل
فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام، فهو يتباكى على موت
المعتزلة في التاريخ القديم وكأن من مصلحة الإسلام بقاؤهم،
ويقول في كتابه: ضحى الإسلام: " في رأيي أن من أكبر مصائب
المسلمين موت المعتزلة ".(8)
ـ
يقول أحمد أمين
في مقال خاص بمدح المعتزلة تحت عنوان المعتزلة والمحدثون : (
كان للمعتزلة منهج خاص أشبه ما يكون بمنهج من يسميهم الفرنج (
العقليين ) عمادهم الشك أولا " والتجربة ثانيا " ، والحكم
أخيرا " . وللجاحظ في كتابه ( الحيوان ) مبحث طريف عن الشك .
وكانوا وفق هذا المنهج لا يقبلون الحديث إلا إذا أقره العقل ،
ويؤولون الآيات حسب ما يتفق والعقل كما فعل الزمخشري في كتابه
( الكشاف ) . ويقابل هذا المنهج منهج المحدثين ، وهو منهج
يعتمد على الرواية ، لا على الدراية ، ولذلك كان نقدهم للحديث
نقد سند لا متن ، ومتى صح السند صح المتن ولو خالف العقل ، وقل
أن نجد حديثا " نقد من ناحية المتن عندهم ، وإذا عرض عليهم
أمرا " رجعوا إلى الحديث ولو كان ظاهرة لا يتفق والعقل ، كما
يتجلى مذهب الحنابلة . . . ) (9)
ـ
يسجل أحمد أمين رأيا لصالح المعتزلة حيث يقول بشأن حرية
الإرادة : ( وقالت المعتزلة بحرية الإرادة وغلوا فيها أمام قوم
سلبوا الإنسان إرادته حتى جعلوه كالريشة في مهب الريح أو
الخشبة في اليم . وعندي أن الخطأ في القول بسلطان العقل وحرية
الإرادة والغلو فيهما خير من الغلو في أضدادهما ، وفي رأيي أنه
لوسادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين موقف آخر في
التاريخ غير موقفهم الحالي وقد أعجزهم التسليم وشلهم الجبر ،
وقعد بهم التواكل ) (10)
ـ
وفي مسألة التوحيد يقول : ( وقد
كانت نظرتهم في توحيد الله نظرة في غاية السمو والرفعة ،
فطبقوا قوله تعالى : ( ليس كمثله شئ ) أبدع تطبيق ، وحاربوا
النظريات الوضعية من مثل نظريات الذين جعلوا الله تعالى جسما "
(11)
ـ
ومن المعاصرين الأحياء الذين يسيرون في ركب الدعوة الإسلامية
من ينادي بالمنهج العقلي الاعتزالي في تطوير العقيدة والشريعة
مثل الدكتور محمد فتحي عثمان في كتابه الفكر الإسلامي والتطور
.. والدكتور حسن الترابي في دعوته إلى تجديد أصول الفقه حيث
يقول: " إن إقامة أحكام الإسلام في عصرنا تحتاج إلى اجتهاد
عقلي كبير، وللعقل سبيل إلى ذلك لا يسع عاقل إنكاره،
والاجتهاد الذي نحتاج إليه ليس اجتهاداً في الفروع وحدها وإنما
هو اجتهاد في الأصول أيضاً "(12)
ـ
وهناك كتاب كثيرون معاصرون، ومفكرون إسلاميون يسيرون على
المنهج نفسه ويدعون إلى أن يكون للعقل دور كبير في الاجتهاد
وتطويره، وتقييم الأحكام الشرعية، وحتى الحوادث التاريخية ..
ومن هؤلاء فهمي هويدي ومحمد عمارة ـ صاحب النصيب الأكبر في
إحياء تراث المعتزلة والدفاع عنه وخالد محمد خالد و محمد سليم
العوا، وغيرهم . ولا شك بأهمية الاجتهاد وتحكيم العقل في
التعامل مع الشريعة الإسلامية ولكن ينبغي أن يكون ذلك في إطار
نصوصها الثابتة وبدوافع ذاتية وليس نتيجة ضغوط أجنبية وتأثيرات
خارجية لا تقف عند حد، وإذا انجرف المسلمون في هذا الاتجاه ـ
اتجاه ترويض الإسلام بمستجدات الحياة والتأثير الأجنبي بدلاً
من ترويض كل ذلك لمنهج الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه
ولا من خلفه ـ فستصبح النتيجة أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه
ولا من الشريعة إلا رسمها ويحصل للإسلام ما حصل للرسالات
السابقة التي حرفت بسبب إتباع الأهواء والآراء حتى أصبحت لا
تمت إلى أصولها بأي صلة
خاتمة :
ربما ظن البعض أن المعتزلة قد ذهبت من غير ر جعة، وأن أفكارهم
الجريئة لم يعد لها وجود، وأن التوازن قد عاد لجدلية العقل
والنقل، إلا أن هذا الظن خاطيء، فالمذهب المعتزلي ما زال
موجودا حيا في الصدور ومكتوبا في السطور، وما زالت فرق عديدة
تتبناه، وإن اختلفت مسمياتها، فضلا عن انتصار كثير من
الحداثيين لمنهج الاعتزال في تقديم العقل على النقل وجعله
حاكما على نصوص الشريعة، فالاعتزال قائم مبثوث في العقائد
والأفكار ولكن الذي ذهب هو حدته وصولته بعد زوال دولته، وتعرضه
لعملية نقد متواصلة على أيدي أئمة السنة، فغدا هامدا يظنه
الناس ميتا وليس بميت، ونحاول في خاتمة عرضنا لعقيدة المعتزلة
أن نقف وقفة مع هذا المنهج نبين فيه أمرا غاية في الأهمية هذا
الأمر هو مخالفة منهج المعتزلة لمنهج السلف، ومباينة عقائد
الاعتزال لعقائد الصحابة الكرام، ولنروي في هذا الإطار
المناظرة الشهيرة التي قصمت ظهر المعتزلة، والتي جرت بين شيخ
من شيوخ السنة وشيخ المعتزلة أحمد بن أبي دؤاد، فقد جيء بشيخٍ
سني كبير موثقا بحديده ، حتى أوقفوه في حضرة الخليفة الواثق،
فطلب منه الخليفة مناظرة أحمد بن أبي دؤاد فوافق، بعد أن طعن
في قدرة أحمد بن أبي دؤاد على المناظرة، وابتدأ السؤال قائلا :
مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها، من القول بخلق القرآن
أداخلة في الدين، فلا يكون الدين تامًّا إَّلا بالقول بها ؟
قال أحمد بن أبي دؤاد : نعم .فقال الشيخ : فرسول الله صلى الله
عليه وسلم دعا الناس إليها أم تركهم ؟ قال أحمد : لا . قال له:
يعلمها أم لم يعلمها ؟قال : عَلِمَهَا .قال: فلم دعوت إلى ما
لم يدعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ، وتركهم منه ؟
فأمسك.فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين هذه واحدة. ثم قال له:
أخبرني يا أحمد، قال الله في كتابه العزيز:{
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ديِنَكُمْ }( المائدة :3)،
فقلت أنت : الدين لا يكون تاماًّ إلا بمقالتك بخلق القرآن،
فالله تعالى – عز وجل – صدق في تمامه وكماله ، أم أنت في
نقصانك ؟! فأمسك .فقال الشيخ يا أمير المؤمنين ، هذه ثانية .ثم
قال بعد ساعة : أخبرني يا أحمد ، قال الله عز وجل:{
يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن
رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ
}( المائدة :67) فمقالتك هذه التي دعوت الناس إليها،
فيما بلَّغه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأمة أم لا ؟
فأمسك.فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، هذه الثالثة. ثم قال بعد
ساعة: أخبرني يا أحمد، لمّا عَلِم رسول الله صلى الله عليه
وسلم مقالتك التي دعوت الناس إليها، أَتَّسع له أن أمسك عنها
أم لا ؟ قال أحمد : بل اتَّسع له ذلك .فقال الشيخ : وكذلك لأبي
بكر ، وكذلك لعمر ، وكذلك لعثمان ، وكذلك لعلي رحمة الله عليهم
؟ قال : نعم .فصرف وجهه إلى الواثق، وقال: يا أمير المؤمنين،
إذا لم يسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم
ولأصحابه فلا وسع الله علينا.
فقال الواثق: نعم، لا وسع الله علينا، إذا لم يتسع لنا ما اتسع
لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، فلا وسع الله علينا.
وبهذه المناظرة كسر الله شوكة المعتزلة فتحول وجه الخليفة
عنهم، وما زال مذهبهم في هبوط إلى يومنا هذا، ولنختم بكلمة
للعلامة ابن الوزير اليماني، يبين فيها هذا الأصل، قال رحمه
الله : " وقد أجمعت الأمة على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت
الحاجة، فكل ما لم يُبين من العقائد في عصر النبوة فلا حاجة
إلى اعتقاده، ولا الخوض فيه والجدال، والمراد سواء كان إلى
معرفته سبيل [ غير النقل ] أو لا، وسواء كان حقا أو لا، وخصوصا
متى أدى الخوض فيه إلى التفرق المنهي عنه، فيكون في إيجابه
إيجاب ما لم ينص على وجوبه " . فاستمسك أخي القارئ بمثل هذا
الأصل العظيم، واحفظ به دينك فما لم يكن في عهد النبي صلى الله
عليه وسلم وصحابته دينا فليس اليوم دين.
الهوامش
(1) ـ سنن بن ماجة حديث رقم 3976 مكتبة الحديث الشريف
(2)واصل بن عطاء الغزال: قال الإمام الذهبي في ترجمته في السير
:" البليغ الأفوه أبو حذيفة المخزومي مولاهم البصري الغزال ..
مولده سنة ثمانين بالمدينة، .. طرده الحسن عن مجلسه لما قال
الفاسق لا مؤمن ولا كافر فانضم إليه عمرو واعتزلا حلقة الحسن
فسموا المعتزلة ".
(3)
شريف الأمين ،
معجم الفرق الإسلامية
، ص 35 .
(4)محمد إبراهيم ،
أئمة المذاهب الأربعة
، ص 35 .
(5) الفرق بين الفرق للبغدادي ص 76 .
(6) انظر الملل والنحل ج 2/ ص58.
(7) انظر كتاب تجديد الفكر العربي لزكي نجيب محمود ص( 123) .
(8)احمد امين / ضحى الإسلام (ج3 ص207) .
(9)
رسالة الإسلام
التي تصدرها دار التقريب بين
المذاهب الإسلامية بالقاهرة : العدد الثالث من السنة الثالثة
.)
(10)أحمد أمين ،
ضحى الإسلام
، ص 70
(11)
المصدر نفسه ، ص 68
(12) انظر كتاب المعتزلة بين
القديم والحديث ص 138) |