|
عبادة السلف في الحج
ذكر الإمام ابن رجب- رحمه الله- أن من أعظم خصال البر في الحج،
إقام الصلاة، فمن حج من غير إقام الصلاة- لا سيما إن كان حجه
تطوعاً- كان بمنزلة من سعى في ربح درهم، وضيع رأس ماله وهو
ألوف كثيرة، وقد كان السلف يواظبون في الحج على نوافل الصلاة،
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يواظب على صلاة النافلة على
راحلته في أسفاره كلها ويوتر عليها. فعن عامر بن ربيعة رضي
الله عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي السُّبحة
بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت. [متفق عليه]. (
والمقصود بالسبحة النافلة).
حذر السلف من الرياء والمباهاة:
ومما يجب على الحاج اجتنابه، وبه يتم بر حجه ألا يقصد بحجه
رياءاً ولا سمعةً ولا مباهاةً ولا فخراً ولا خيلاء، ولا يقصد
به إلا وجه الله سبحانه وتعالى ورضوانه، ويتواضع في حجه
ويستكين ويخشع لربه. وقد كان السلف- رحمهم الله- شديدي الحذر
من أن يدخل في عملهم شيء من الرياء أو حظوظ النفس، لأنهم
يعلمون أن الله عز وجل لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً
لوجهه صواباً على سنة نبيه صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا
أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» [رواه مسلم].
ولذلك لما قال رجل لابن عمر رضي الله عنهما: ما أكثر الحاج!
قال: ما أقلهم!
وقال شريح القاضي: "الحاج قليل والركبان كثير، ما أكثر من يعمل
الخير، ولكن ما أقل الذين يريدون وجهه".
وليس على كل الوجوه قبول وجوه عليها للقبول علامة.
أسباب توقان النفس إلى مكة:
الأول: من تكون وطنًا له فيخرج عنها فيتوق إلى وطنه.
والثاني: من يذوق في تردده إليها حلاوة ربح الدنيا فذاك يتوق
إلى ربحه لا إليها، لكنها لما كانت سببًا تاق إليها.
والثالث: من يكون محصورًا في بلده فيحب النزهة والفرجة ويرى ما
يطلبه في طريقها فينسى شدة يلقاها للذة التي يطلبها وتبهرج
نفسه عليه أني أحب الحج، وإنما يحب الراحة.
والرابع: من تبطن نفسه الرياء وتخفيه عنه حتى لا يكاد يحس به،
وذلك حبها لقول الناس: قد حج فلان، ولتلقبه وتسميه بالحاج، فهو
يتوق إلى ذلك، وتبهرج عليه بحب الحج، وهذامن رقائق الغرور فيجب
الحذر منه.
والخامس: من يعلم فضل الحج فيتوق إلى ثواب الله- عز وجل- لأن
مضاعفة الثواب في تلك الأماكن بزيد على غيرها، وهذا هو المؤمن.
السادس: توقان عام، وسببه دعاء الخليل- عليه السلام- حين قال:
{فَاجْعَل أَفئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِم}
[إبراهيم:37].
قال ابن عباس- رضي الله عنهما: "تحنُّ إليهم، قال:وأراد حب
سكنى مكة، ولو قال: اجعل أفئدة الناس تهوي إليهم لحجّه اليهود
والنصارى، ولكنه قال: من الناس". |