|
ثقافة الخوف من الملك والأفعى..
الخوف غريزة في النفس البشرية، فالطفل حين يصبح يميز بين الأشياء يصاب
بالخوف من الكثير منها خاصة غير المتآلف معها ويصاب بالرعب من بعض
الأصوات إلخ...، لكن حين يكبر يصبح بفعل الثقافة يميز بين الأشياء التي
يجب أن يخاف منها والتي لا يجب أن يخشاها. فمثلا حين يصبح عمره عشرة
سنوات نجد أننا إذا قلنا له أن هناك أفعى في الدرج سيصاب بالذعر ولن
يفتحه حتى لو كانت فيه الحلوي فقط، ومرد ذلك أنه تثقف أن يخاف من
الأفعى حتى لو لم يراها في حياته، لكنه بفعل تكرارنا أمامه كل يوم أن
الأفعى سامة ويمكن أن تقتله يصبح يخاف منها تلقائيا حتى لو لم يراها .
نفس الشيء حدث للمغاربة مع النظام العلوي فمع تكرار أسطورة أن الملك
يجب أن يهاب ويُخاف منه تربي المغاربة على ذلك وصاروا يخشونه هو ونظامه
وهم في أقصى الأقاصي. وكما يثقف الناس أبناؤهم على الخوف من الأفاعي
والمسمومات يثقف المغربي ابنه على الخوف من الملك والبعبع الذي اسمه
المخزن حتى توارثت الأجيال هذا الخوف وبقى كامنا في النفوس رغم اندحار
أسطورة وخرافة الملوك وبطشهم وصارت من الأشياء المضحكة الآن .
خائف يا سيدي....!!!
حدثني مرة أحد ضباط جيش التحرير الشعبي الصحراوي أنه حين كانت الحرب
مشتعلة في الصحراء الغربية وقع في أيديهم بعض الأسرى المغاربة، وقبل
نقلهم إلى المناطق المحررة اقترب الضابط الصحراوي المذكور منهم وقال
لأكبرهم رتبة: إذا لعنت الملك سأطلق سراحك الآن وحلف له باغلظ الإيمان
أنه إذا فعلها سيطلق سراحه فعلا.. وألتفت الأسير المغربي يمنة ويسرة ثم
قال له: ما نقدر شي.. أنا خائف يا سيدي..
الحادثة وقعت في سنة 1983م،وظن المقاتل الصحراوي يومها أن الجندي خائف
من الملك لأنه شريف فلم يناقشه أكثر في المسألة لإن الوقت غير سامح
بذلك، لكن وفي سنة 1997م بعد توقف الحرب التقى المقاتل الصحراوي مرة
أخرى صدفة مع نفس الأسير المغربي الذي رفض لعن الملك يوم أسره فتذكر
الحادثة وأراد معرفة المزيد عن سر ذلك وقال له: لماذا قلت لي يوم أسرك
أنك كنت خائفا من الملك وهو غير موجود معك ولن يسمعك. ؟
قال له الأسير: يا سيدي لو كنت قلتها كان لا بد أن تصله الأخبار.
والحقيقة أن الحادثة لم تقع لهذا المقاتل وحده، وهذا الأسير المغلوب لم
يكن حالة شاذة بين الأسرى الآخرين لأن الكثير منهم كان يرفض سب الملك
معتقدا أنه يسمعه أو حتما ستصله الأخبار عن طريق الهواء..
إن ما يمكن أن نستخلصه من مثل هذه الحادثة الطريفة والمحزنة في آن هو
أن الملوك العلويين على مدى تاريخهم قد شحنوا النفسية المغربية بثقافة
الخوف منهم حتى صار المغربي الأسير في صحراء بعيدة يقول أنه لا يستطيع
أن يذكر الملك بكلام سيء خشية أن يسمعه...
ثقافة متولدة من تاريخ دموي...
لقد بنى الملوك العلويون تاريخهم على استعباد البشر وتحويله إلى رقيق
سواء كان الجنس عربيا أو شلحا أو بربريا، فأحد مؤسسي هذا السلالة وهو
مولاي إسماعيل الذي حكم في القرن السابع عشر بنى فلسفة حكمه على اعتبار
كل من ليس علويا فهو عبد وعلى الجميع الركوع للعلويين وطاعتهم، والملك
المذكور هو أول من جعل في قصره 500 حريم ما بين زوجة وجارية وجعل له
جيشا من العبيد قوامه 150 ألفا من الأجناد. وبسبب هذا الفحش في القصور
وكثرة الحريم والرجال لم يعد أحد يعرف من هو ابن الملك ومن هو من ليس
ابنه. وبسبب هذه السياسة شاعت ثقافة الخوف في المملكة منذ تأسيسها،
وحتى تعيش عليك أن تكون عبدا أو إذا حاولت أن تتفلسف ستقتل. بدأ عصر
الرعب ينتشر في أوصال المملكة خاصة منذ أن أصبح الاغتيال وتصفية
الحسابات هما اللغة الوحيدة السائدة في كل قصر. ففي سنة 1664م تمكن
الأخ الأصغر للملك سيدي محمد الثاني بن الشريف من قتله وحيازة كل
ممتلكاته بسبب رواج قول في القصر يقول أنه ليس أخوه. وبعد ذلك جاء دور
الملك الدموي الشهير في تاريخ العلويين وهو أبو الناصر مولاي إسماعيل
بن السمين الذي تزوج عددا لا يحصى من النساء وخلف أولادا بلغ عدهم 700م
وأخرهم ولد بعد ثمانية عشر شهرا من موت الملك.!!!!!
فالملك المقصود قتل حوالي عشرين من أبنائه بسبب محاولتهم الاستيلاء على
العرش والقصر وبسبب تحريض أمهاتهم لهم أنهم ليسوا أبناء لملك وإنما من
رجال آخرين. ومن بين هؤلاء "الأبناء" (ولا للحصر) الذين قتلوا : مولاي
محمد العلم بن إسماعيل الذي قتل بيد أبيه في قصره سنة 1706م بعد أن قطع
يده اليمنى ورجله الأيسر ، ثم جاء الدور على مولاي محمد زيدان بن
إسماعيل السمين الذي قتل بتحريض من والده لبعض زوجاته بسبب طمعه في
الملك والحكم. ولم يكن مصير مولاي بن عبد الملك إسماعيل أحسن حالا ممن
سبقه إذ قتل بيد والده بعد اتهامه بالتآمر عليه سنة 1696م، بعده قتل
شقيقه مولاي الناصر بن إسماعيل السمين بنفس الطريقة سنة 1714م، أما
أخوه مولاي الناصر بن إسماعيل فقد فر خوفا من القتل إلى أسبانيا ثم
إيطاليا وفرض عليه التنصر والتخلي عن الإسلام حتى يقبل منه اللجوء
السياسي. ولم يرتوي هذا الملك من دم أبنائه بعد فقد قتل بيده ولده
الآخر مولاي محمد المتوكل سنة 1704م بعده قتل أخوه مولاي محمد المتيس
في نفس السنة وبذات الطريقة. وجاء الدور على كل من أبنائه مولاي حفيظ
ومحمد المنتصر ومولاي محمد الديفي ومولاي محمد الرشيد وكلهم بيد
الوالد. وبقى القتل هو اللغة الوحيدة في المغرب حتى صار الخوف ثقافة في
النفسية المغربية...
وإذا كان تاريخ الملوك العلويين دموي فهو لم يكن كذلك مع أعدائهم بل مع
أصدقائهم وفيما بينهم، فبالعكس فالتاريخ لا يذكر لنا أنهم حققوا نصرا
واحدا على مدى تاريخهم الطويل في المغرب، لكن نفس التاريخ يذكر لنا
ذلتهم أمام الاستعمار ورفض مقاومته له. فمثلا سلم مولاي حفيظ المغرب
لفرنسا دون طلقة واحدة سنة 1992م وتآمر مع الفرنسيين ضد القوى المغربية
الوطنية وأوقع بها، وجاء الدور على محمد الخامس ليوقع مع الفرنسيين
اتفاقية يقايض فيها استقلال المغرب ببقاء أفراد أسرته في السلطة.. وجاء
الحسن الثاني يوقع مع أسبانيا اتفاقية يقايض بها سبتة ومليلة بالصحراء
الغربية. وإذا تتبعنا تاريخ هذه الاسرة فنجد أنها كانت دائما عدوا
لشعبها وجيرانها بينما كانت صديقة وفية للأعداء الحقيقيين للأمة.
ما لحق مرآة لما سبق...
ولعل من بين ملوك العلويين الذين طبقوا غرس سياسة وثقافة الخوف هو
الملك الحسن الثاني الذي كان يؤمن بها إيمانا شديدا ويعتقد أنها ناجحة
وناجعة، فهو الذي أخضع المغربيين بقوة السيف لسلطته ورسخ بين صفوفهم
هذه الثقافة المقيتة. كان مصابا بمرض العطش للدم فالكثير من معارضيه
قتلهم بيده مثل أوفقير وزير داخليته السابق كما أعطى الأمر شخصيا
لتذويب المهدي بن بركة في الحامض وهي طريقة جهنمية لم يلجأ إليها أي
احد في التاريخ قبله. ولم يكتف هذا الملك الشقي بترسيخ ثقافة الخوف بين
صفوف المغربيين بل حاول أن يطبقها على الصحراويين حين أمر باحتلال
بلدهم في سنة 1975م، إذ عمد إلى الزج بهم في السجون ومارس عليهم كل ما
لا يخطر على بال من وسائل تعذيب جهنمية، لكنه أخطا هذه المرة إذا أن
ثقافة الخوف لم تأت بأكلها ولم تنفع معهم.
إن هذا التاريخ الطويل المليء بالدم والانتقام بين الملوك العلويين
أنفسهم أوصل الحال إلى ما هو عليه الآن، فالمغربي الآن يشعر دائما
بالخوف من الملوك ويتحاشى الحديث عنهم، وخوفه ناتج عن الحكي المروع
لتاريخ هذه الأسرة الحاكمة الانتقامية التي رسخت في العقلية المغربية
على مدى قرون أنها سيدة ومطاعة بفضل السيف والموت.
لقد أخلطت الأسرة العلوية تاريخ الدم والسيف بتاريخ الشرف، وإذا كنا
نظن أن المغاربة يخشون الملوك العلويين لأنهم شرفاء مثلما ظن مقاتلنا
في العملية التي أسر فيها الجندي المغربي فإن الحقيقة أنهم يخشونهم
بسبب بطشهم ونقمتهم وتعطشهم الدائم إلى الدم. فاليوم حين نزور الشارع
المغربي لنلامس الحقيقة عن قرب نجد أن المغربي لا يخشى الملوك فقط ولكن
يخشى النظام برمته ويرتعد منه لإن النظام وتوابعه مثلما نظًر له أوائل
العلويين يجب أن يكون من العلويين أو على الأقل تربطه بهم صلة مثل صلة
التبعية والعبودية . فعلى مدى قرون بقيت جبال الخوف والهلع تترسب في
النفسية المغربية حتى صارت ثقافة يتوارثها المغاربة، فهم يظنون مثلا
أنهم إذا لم يخرجوا للاحتفال بميلاد بنت للملك ستصيبهم لعنة الملك أو
سجنه أو غضبه، وتقول الأسطورة العلوية أنك إذا عصيت الملك ستصاب بمكروه
لإنه شريف، لكن الحقيقة أنك إذا عصيت الملك سيصيبك سوط شرطته. فالآن في
الشارع المغربي تجد أن المغربي خائف من العامل والشرطي وكل من له علاقة
بالنظام، فالشرطي مثلا أو الضابط يستطيع أن يدخل السوق أو القهوة ويشرب
ولا يدفع الثمن إذا أراد ولا أحد يستطيع أن يكلمه أو يشكوه لجهة ما.
ولم تكتف المملكة بشحن النفسية المغربية بالخوف من النظام وازلامه بل
أنها أنشأت شبكة من الخوف في كل مكان؛ فأكثرية المغاربة يعملون الآن
مخبرين للنظام ويتقاضون أجورهم من ذلك وحين تكون عاملا في هذا السلك
عليك أن تبلغ يوميا عن كل ما يحدث صغيرا أو كبيرا حتى تتقاضى أجرك
وعليك أن تتهم الناس وتكتب عنهم التقارير وتراقب ذويك وإلا ستطرد. لقد
أحدثت هذه المهمة القذرة شرخا كبيرا بين صفوف المغاربة فصار الإبن
يتجسس على والديه والبنت تتجسس على صديقاتها وكل واحد خائف من الآخر،
فمثلا في عائلة واحدة حين تجتمع على كؤوس الشاي لا أحد فيها يستطيع أن
يتحدث في السياسة أو يذكر الملك سؤ خوفا من أن يكون بينهم من هو مندس
ومخبر للنظام والشرطة.
من جهة أخرى بدأ حديثا الترسيخ لثقافة الخوف من الملك أكثر من خلال
وسائل الإعلام، فالحكومة ومجلس الوزراء يدخلون إلى صالات الاجتماعات
وهم يرتعدون خائفين ويزداد المنظر هيبة حين يدخل الملك فينهضون جميعا
ليقبلون يده من الجهتين ويركعون وهذا كله ينقل على شاشات التلفزيون وفي
الراديو. ثم أن ملوك هذه الاسرة رفضوا على مدى تاريخهم التخلي عن عادة
إحاطتهم بجو من الخوف فهم لا يرضون اللقاء مع أحد ما لم يقبل أيديهم،
فالبرلمان مثلا على كثرة أعضائه عليهم كلهم تقبيل يد الملك إذا شاركهم
جلسة ما حتى لو قضى التقليد ساعتين أو ثلاثة فالمهم عند الملك هو ركوع
هؤلاء أمامه وليضيع الوقت ما شاء. ورغم ما في ذلك من بلاهة وقلة أدب
إلا أن الملوك العلويين يظنون إلى حد الآن أنهم متى تخلوا عن عادة
تقبيل الناس لأيديهم سينتهون وأن الخوف منهم هو الذي يجعل بقائهم في
السلطة يطول...
في أوروبا يتحمل المغاربة واقع الهجرة القاسي، فالمهاجرون منهم ليسوا
مثل بقية المهاجرين فهم يتحملون سب وغضب مسئول الشركة ورب العمل
ويتحملون إهانته في حين أن الآخرين لا يتحملون ذلك. لقد نقل هؤلاء
المهاجرون ثقافة الخوف إلى الخارج فتجدهم دائما خائفين خانعين راكعين
ويعاملون أرباب العمل مثلما يعملون الشرطي أو العامل في بلدهم فتراهم
يركعون ويقولون " أنعم سيدي ." ويتملقون كأنما هم مصابين بداء الخوف
دائما. إن العتب يعود دائما إلى المملكة التي قتلت فيهم روح الإنسانية
وجعلتهم شعبا خائفا في كل مكان يصلون إليه.
المصدر
www.upes.org

|