المجلة | الهدى |مدونة الصحراء | الجوال | مواقع  صفحة الإنجليزية| مرئيات | سجل الزوار | إتصل بنا

 

رسالة " حكم الاحتفال بالمولد النبوي للشيخ الإمام عبدالعزيز بن  باز رحمه الله 

 الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه .

أما بعد :

فقد تكرر السؤال من كثير عن حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم ، والقيام له في أثناء ذلك ،وإلقاء السلام عليه ، وغير ذلك مما يفعل في الموالد .

والجوابأن يقال :

لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول صلىالله عليه وسلم ، ولا غيره ؛ لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعله ،ولا خلفاؤه الراشدون ، ولا غيرهم من الصحابة ـ رضوان الله على الجميع ـ ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة ، وهم أعلم الناس بالسنة ،وأكمل حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومتابعة لشرعه ممن بعدهم .

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أحدث في أمرناهذا ما ليس منه فهو رد " ، أي : مردود عليه ،وقال في حديث آخر : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ،فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة" .

 ففي هذين الحديثين تحذير شديد من إحداث البدع والعمل بها .

وقد قال الله سبحانه في كتابه المبين: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } ( سورة الحشر : 7 ) ،وقال عز وجل : {  فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (63) سورة النــوروقال سبحانه : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (21) سورة الأحزاب ، وقال تعالى : {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (100) سورة التوبة،وقال تعالى :{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (3) سورة المائدة

والآيات في هذا المعنى كثيرة .

وإحداث مثل هذه الموالد يفهم منه : أن الله سبحانه لم يكمل الدين لهذه الأمة ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به ، حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع الله ما لم يأذن به ،زاعمين : أن ذلك مما يقربهم إلى الله ،وهذا بلا شك فيه خطر عظيم ، واعتراض على الله سبحانه ، وعلى رسوله صلىالله عليه وسلم ، والله سبحانه قد أكمل لعباده الدين ، وأتم عليهم النعمة .

والرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين ، ولم يترك طريقا ًيوصل إلى الجنة ويباعد من النار إلابينه للأمة ، كما ثبت في الحديث الصحيح ، عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما ، قال رسول الله صلى الله عليهوسلم : " ما بعث الله من نبيا إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته علىخير ما يعلمه لهم ، وينذرهم شر مايعلمه لهم " رواه مسلم في صحيحه .

ومعلوم أن نبينا صلى الله عليه وسلم هو أفضل الأنبياء وخاتمهم ، وأكملهم بلاغاً ونصحاً ، فلو كان الاحتفال بالموالد من الدين الذي يرضاه الله سبحانه لبيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة ، أو فعله في حياته ، أوفعله أصحابه رضي الله عنهم ، فلما لم يقع شيء من ذلك علم أنه ليس من الإسلام في شيء ، بل هو من المحدثات التي حذر الرسول صلى الله عليه وسلم منها أمته ، كما تقدم ذكر ذلك     فيالحديثين السابقين .

وقد جاء في معناهما أحاديث أُُخر ،مثل قوله صلى الله عليه وسلم في خطبةالجمعة : " أما بعد : فإن خيرالحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمورمحدثاتها ، وكل بدعة ضلالة " رواه الإمام مسلم في صحيحه .

والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة .وقد صرح جماعة من العلماء بإنكارالموالد والتحذير منها ؛ عملاًب الأدلة المذكورة وغيرها .وخالف بعض المتأخرين فأجازها إذا لم تشتمل على شيء من المنكرات ؛ كالغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وكاختلاط النساء بالرجال ، واستعمال آلات الملاهي ، وغير ذلك مما ينكرهاالشرع المطهر ، وظنوا أنها من البدع الحسنة .

والقاعدة الشرعية : رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله ، وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم .

كما قال الله عز وجل : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (59) سورة النساء ،وقال تعالى : {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (10) سورة الشورى . وقد رددنا هذه المسألة ـ وهي الاحتفال بالموالد ـ إلى كتاب الله سبحانه ، فوجدناه يأمرنا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاءبه ويحذرنا عما نهى عنه ، ويخبرنا بأن الله سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها ، وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيكون ليس من الدين الذي أكمله الله لناوأمرنا باتباع الرسول فيه ، وقدرددنا ذلك ـ أيضاً ـ إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فلم نجد فيها أن فعله ، ولا أمر به ولا فعله أصحابه رضي الله عنهم ، فعلمنا بذلك أنه ليس من الدين ، بل هو من البدع المحدثة ،ومن التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم .

وبذلك يتضح لكل من له أدنى بصيرة ورغبة في الحق وإنصاف في طلبه أن الاحتفال بالموالد ليس من دين الإسلام ، بل هو من البدع المحدثات التي أمر الله سبحانه ورسوله صلىالله عليه وسلم بتركها والحذر منها .

ولا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يفعله من الناس في سائر الأقطار ، فإن الحق لا يعرف بكثرة الفاعلين ، وإنمايعرف بالأدلة الشرعية ، كما قال تعالى عن اليهود والنصارى : {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (111) سورة البقرة ،وقال تعالى : {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} (116) سورة الأنعام.

ثم إن غالب هذه الاحتفالات بالموالد مع كونها بدعة لا تخلو من اشتمالهاعلى منكرات أخرى ؛ كاختلاط النساء بالرجال ، واستعمال الأغاني والمعازف ، وشرب المسكرات والمخدرات، وغير ذلك من الشرور ، وقد يقع فيهاما هو أعظم من ذلك وهو الشرك الأكبر ،وذلك بالغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو غيره من الأولياء ،ودعائه والاستغاثة به وطلبه المدد ،واعتقاد أنه يعلم الغيب ، ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس حين احتفالهم بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ممن يسمونهم بالأولياء .

وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " ، وقال صلى الله عليه وسلم : " لا تطروني كماأطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أناعبده ، فقولوا : عبد الله ورسوله " أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عمر رضي الله عنه .

ومن العجائب والغرائب : أن الكثير من الناس ينشط ويجتهد حضور هذه الاحتفالات المبتدعة ، ويدافع عنها ،ويتخلف عما أوجب الله عليه من حضورالجمع والجماعات ، ولا يرفع بذلك رأساً ، ولا يرى أنه أتي منكراًعظيماً ، ولا شك أن ذلك من ضعفا لإيمان وقلة البصيرة ، وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي، نسأل الله العافية لنا ولسائرالمسلمين .

ومن ذلك : أن بعضهم يظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضر المولد ؛ولهذا يقومون له محيين ومرحبين ،وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل ،فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لايخرج من قبره قبل يوم القيامة ، ولايتصل بأحد من الناس ، ولا يحضراجتماعاتهم ، بل هو مقيم في قبره إلىيوم القيامة ، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة ، كما قال الله تعالى في سورة المؤمنون  {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ}(15) (16) سورة المؤمنون.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أناأول من ينشق عنه القبر يوم القيامة ،وأنا أول شافع ، وأول مُشَفَّعٍ " عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام .

فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث ، كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة ،وهذا أمر مجمع عليه بين علماءالمسلمين ليس فيه نزاع بينهم ،فينبغي لكل مسلم التنبه لهذه الأمور، والحذر مما أحدثه الجهال وأشباههم من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سطان . والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به.

أما الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي من أفضل القربات ، ومن الأعمال الصالحات ،كما قال تعالى : {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (56) سورة الأحزاب.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه بهاعشراً "، وهي مشروعة في جميع الأوقات ،ومتأكدة في آخر كل صلاة ، بل واجبةعند جمع من أهل العلم في التشهد الأخير من كل صلاة ، وسنة مؤكدة في مواضع كثيرة ، منها بعد الأذان ، وعند ذكره عليه الصلاة والسلام ، وفي يوم الجمعة وليلتها ، كما دلت على ذلك أحاديث كثيرة .

والله المسؤول أن يوفقنا وسائرالمسلمين للفقه في دينه والثبات عليه، وأن يمن على الجميع بلزوم السنةوالحذر من البدعة ، إنه جواد كريم .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وآله وصحبه انتهت رسالة " حكم الاحتفال بالمولد النبوي " للشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء سابقا .

 

محاضرة " حكم المولد " للإمام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله 

 

 إن الحمد لله نحمده ونستعينة ونستغفره ،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}

({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}

أما بعد ، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ، وشر الامورمحدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار.

وبعد فقد بدا لي أن أجعل كلمتي في هذه الليلة بديل الدرس النظامي حول موضوع احتفال كثير المسلمين بالمولدالنبوي وليس ذلك مني إلا قياما بواجب التذكير وتقديم النصح لعامة المسلمين فإنه واجب من الواجبات كماهو معلوم عند الجميع ، جرى عرف المسلمين من بعد القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية على الاحتفال بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبدأ الاحتفال بطريقة وانتهى اليوم إلى طريقة وليس يهمني في هذه الكلمة الناحية التاريخية من المولد وما جرىعليه من تطورات إنما المهم من كلمتي هذه أن نعرف موقفنا الشرعي من هذه الاحتفالات قديمها وحديثها ، فنحن معشر أهل السنة لا نحتفل احتفال الناس هؤلاء بولادة الرسول صلى الله عليه وسلم ولكننا نحتفل احتفالاً منوع آخر ومن البدهي أنني لا أريد الدندنة حول احتفالنا نحن معشر أهل السنة ، وإنما ستكون كلمتي هذه حول احتفال الآخرين لأبين أن هذاالاحتفال وإن كان يأخذ بقلوب جماهيرالمسلمين لأنهم يستسلمون لعواطفهم التي لا تعرف قيداً شرعياً مطلقاوإنما هي عواطف جانحة فنحن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالدين كاملا وافيا تاما والدين هو كل شئي تدين به المسلم وأن يتقرب به إلىالله عز وجل ليس ثمة دين إلا هذا ، ولا يمكن أن يكون شئ ما من الدين إلا إذا جاء به نبينا صلوات الله وسلامه عليه ، أما ما أحدثه الناس بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فلا سيما بعد القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية فهي لاشك ولا ريب من محدثات الأمور ، وقدعلمتم جميعا حكم هذه المحدثات من افتتاحية دروسنا كلها حيث نقول فيها كما سمعتم آنفا "خير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمورمحدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ، ونحن وإياهم مجمعون على أن هذا الاحتفال أمر حادث لم يكن ليس فقط في عهده صلى الله عليه وسلم بل ولا في عهد القرون الثلاثة كما ذكرنا آنفا ، ومن البدهي أن النبي صلى الله عليه وسلم في حياته لم يكن ليحتفل بولادته ذلك لأن الاحتفال بولادة إنسان ما إنما هي طريقة نصرانية مسيحية لا يعرفه الإسلام مطلقا في القرون المذكورة آنفا ، فمن باب أولى ألا يعرف ذلك رسول الله صلىالله عليه وسلم ولأن عيسى نفسه الذي يحتفل بميلاده المدعون إتباعه عيسى نفسه لم يحتفل بولادته مع أنها ولادة خارقة للعادة وإنما الاحتفال بولادةعيسى عليه السلام هو من البدع التي ابتدعها النصارى في دينهم وهي كماقال عز وجل : ( ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ  )  هذه البدع التي اتخذهاالنصارى ومنها الاحتفال بميلاد عيسى ما شرعها الله عز وجل ، وإنما هم ابتدعوها من عند أنفسهم فلذلك إذا كان عيسى لم يحتفل بميلاده ومحمد صلىالله عليه وسلم أيضا كذلك لم يحتفل بميلاده والله عز وجل يقول : (وبهداهم اقتده ) فهذا من جملةالإقتداء نبينا بعيسى عليه الصلاةوالسلام وهو نبينا أيضا ولكن نبوته نسخت ورفعت بنبوة خاتم الأنبياءوالرسل صلوات الله وسلامه عليهما ،ولذلك فعيسى حينما ينزل في آخرالزمان كما جاء في الأحاديث الصحيحة المتواترة إنما يحكم بشريعة محمد صلىالله عليه وسلم ، فإذاً محمد صلى الله عليه وسلم لم يحتفل بميلاده وهنا يقول بعض المبتلين بالاحتفال غيرالمشروع الذي نحن في صدد الكلام عليه يقولون محمد صلى الله عليه وسلم ماراح يحتفل بولادته طيب سنقول لم يحتفل بولادته عليه السلام بعد وفاته أحب الخلق من الرجال إليه وأحب الخلق من النساء إليه ذا لكما أبو بكروابنته عائشة رضي الله عنهما مااحتفلا بولادة الرسول صلى الله عليه وسلم ، كذلك الصحابة جميعا كذلك التابعون كذلك أتباعهم وهكذا ، إذالا يصح لإنسان يخشى الله ويقف عند حدود الله ويتعظ بقول الله عز وجل : {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} (36) سورة الإسراء، فلا يقولن أحدالناس الرسول ما احتفل لأنه هذايتعلق بشخصه لأنه يأتي بالجواب لاأحد من أصحابه جميعا أحتفل به عليه السلام ، فمن الذي أحدث هذا الاحتفال من بعد هؤلاء الرجال الذين هم أفضل الرجال ولا أفضل من بعدهم أبدا ولن تلد النساء أمثالهم إطلاقا ، من هؤلاء الذين يستطيعون بعد مضي هذه السنين الطويلة ثلاثمائة سنة يمضون لا يحتفلون هذا الاحتفال أو ذاك ،وإنما احتفالهم من النوع الذي سأشيرإليه إشارة سريعة كما فعلت آنفا فهذايكفي المسلم أن يعرف أن القضية ليست قضية عاطفة جانحة لا تعرف الحدودالمشروعة وإنما هو الاتباع والاستسلام لحكم الله عز وجل ومن ذلك: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ..} (31) سورة آل عمران ، فرسول الله ما احتفل إذا نحن لا نحتفل إن قالوا ما احتفل لشخصه نقول ما احتفل أصحابه أيضا بشخصه من بعده فأين تذهبون ؟ كل الطرق مسدودة أمام الحجة البينة الواضحة التي لا تفسح مجالاً مطلقا للقول بحسن هذه البدعة وإن مما يبشر بالخيرأن بعض الخطباء والوعاظ بدأوا يضطرون ليعترفوا بهذه الحقيقة وهي أن الاحتفال هذا بالمولد بدعة وليس من السنة ، ولكن يعوزهم ويحتاجون إلى شئ من الشجاعة العلمية التي تتطلب الوقوف أمام عواطف الناس الذين عاشواهذه القرون الطويلة وهم يحتفلون ،فهؤلاء كأنهم يجنبون أو يضعفون أن يصدعوا بالحق الذي اقتنعوا به ولذلك تجده يروغ ولا أريد أن أقول يسدد ويقارب فيقول صحيح أن هذا الاحتفال ليس من السنة ما احتفل الرسول ولاالصحابة ولا السلف الصالح ولكن الناس اعتادوا أن يحتفلوا ويبدو أن الخلاف فقهي ، هكذا يبرر القضية ويقول الخلاف شكلي ، لكن الحقيقة أنهم انتبهوا أخيرا إلى أن هذا المولد خرج عن موضوع الاحتفال بولادة الرسول صلىالله عليه وسلم في كثير من الأحيان ؛حيث يتطرق الخطباء إلى أمورا ليس لهاعلاقة بالاحتفال بولادة الرسول صلىالله عليه وسلم ، ولا أريد أن أطيل في هذا ولكني أذكر بأمر هام جدا طالماغفل عنه جماهير المسلمين حتى بعض إخواننا الذين يمشون معنا على الصراط المستقيم وعلى الابتعاد من التعبدإلى الله عز وجل بأي بدعة ، قد يخفىعليهم أن أي بدعة يتعبد المسلم بهاربه عز وجل هي ليست من صغائر الأمور ،ومن هنا نعتقد أن تقسيم البدعة إلىمحرمة وإلى مكروهة يعني كراهة تنزيهيه هذا التقسيم لا أصل له في الشريعة الإسلامية ، كيف وهو مصادم مصادمة جلية للحديث الذي تسمعونه دائما وأبدأ : ( كل بدعة ضلالة وكلضلالة في النار ) ، فليس هناك بدعة لايستحق صاحبها النار ، ولو صح ذلك التقسيم لكان الجواب ليس كل بدعة يستحق صاحبها دخول النار لم ؟ لأن ذاك التقسيم يجعل بدعة محرمة فهي التي تؤهل صاحبها النار ، وبدعة مكروهة تنزيها لا تؤهل صاحبها للنار وإنماالأولى تركها والإعراض عنها ، والسر هنا الشاهد من إشارتي السابقة التي لا ينتبه لها الكثير، والسر في أن كل بدعة كما قال عليه الصلاة والسلام بحق ضلالة هو أنه من باب التشريع في الشرع الذي ليس له حق التشريع إلا رب العالمين تبارك وتعالى ، فإذا انتبهتم لهذه النقطة عرفتم حينذ اذا أطلق عليه الصلاة والسلام علىكل بدعة أنها في النار أي صاحبها ،ذلك لأن المبتدع حينما يشرع شيئا من نفسه فكأنه جعل نفسه شريكا مع ربه تبارك وتعالى ، والله عز وجل يأمرناأن نوحده في عبادته وفي تشريعه فيقول مثلاً في كتابه : ( ولا تجعلوا للهأندادا وأنتم تعلمون ) أندادا في كل شئ من ذلك في التشريع ، ومن هنا يظهر معشرالشباب المسلم الواعي المثقف الذي انفتح له الطريق إلى التعرف علىالإسلام الصحيح من المفتاح لا إله إلا الله ، وهذا التوحيد الذي يستلزم كما بين ذلك بعض العلماء قديما وشرحوا ذلك شرحا بينا ثم تبعهم بعض الكتاب المعاصرين أن هذا التوحيد يستلزم إفراد الله عز وجل بالتشريع يستلزم ألا يشرع أحد مع الله عز وجل أمرا ما ؛ سواء كان صغيرا أم كبيراجليلا أم حقيراً ؛ لأن القضية ليست بالنظر إلى الحكم هو صغير أم كبيروإنما إلى الدافع إلى هذا التشريع ،فإن كان هذا التشريع صدر من الله تقربنا به إلى الله وإن كان صدر من غير الله عز وجل نبذناه وشرعته نبذالنواة ، ولم يجز للمسلم أن يتقرب إلىالله عز وجل بشيء من ذلك ، وأولىوأولى ألا يجوز للذي شرع ذلك أن يشرعهوأن يستمر على ذلك وأن يستحسنه، هذاالنوع من إفراد الله عز وجل بالتشريعهو الذي اصطلح عليه اليوم بعض الكتابالإسلاميين بتسمية بأن الحا كمية للهعز وجل وحده ، لكن مع الأسف الشديدأخذ شبابنا هذه الكلمة كلمة ليستمبينة مفصلة لا تشتمل كل شرعة أو كلأمر أدخل في الإسلام وليس من الإسلامفي شئ ، أن هذا الذي أدخل قد شارك اللهعز وجل في هذه الخصوصية ولم يوحد اللهعز وجل في تشريعه ، ذلك لأن السببفيما أعتقد في عدم وضوح هذا المعنىالواسع لجملة أن الحا كمية لله عز وجلهو أن الذين كتبوا حول هذا الموضوعأقولها مع الأسف الشديد ما كتبوا ذلكإلا وهم قد نبهوا بالضغوط الكافرةالتي ترد بهذه التشريعات وهذهالقوانين من بلاد الكفر وبلاد الضلالولذلك فهم حينما دعوا المسلمينوحاضروا وكتبوا دائما وأبدا حول هذهالكلمة الحقة وهي أن الحا كمية لله عزوجل وحده ، كان كلامهم دائما ينصبويدور حول رفض هذه القوانين الأجنبيةالتي ترد إلينا من بلاد الكفر كماقلنا ، لأن ذلك إدخال في الشرع ما لميشرعه الله عز وجل هذا كلام حق لاشكولا ريب ، ولكن قصدي أن ألفت نظركم أنهذه القاعدة الهامة وهي أن الحا كميةلله عز وجل لا تنحصر فقط برفض هذهالقوانين التي ترد إلينا من بلادالكفر ، بل تشمل هذه الجملة هذهالكلمة الحق كل شئ دخل في الإسلامسواء كان وافدا إلينا أو نابعا منامادام أنه ليس من الإسلام في شئ ، هذهالنقطة بالذات هي التي يجب أن نتنبهلها وأن لا نتحمس فقط لجانب هو هذهالقوانين الأجنبية فقط وكفرها واضحجدا نتنبه لهذا فقط بينما دخل الكفرفي المسلمين منذ قرون طويلة وعديدةجدا والناس في غفلة من هذه الحقيقة ،فضلاً عن هذه المسائل التي يعتبرونهاطفيفة ، لذلك فهذا الاحتفال يكفي أنتعرفوا أنه محدث ليس من الإسلام في شئ، ولكن يجب أن تتذكروا مع ذلك أنالإصرار على استحسان هذه البدعة معإجمال جميل كما ذكرت آنفا أنها محدثةفالإصرار على ذلك أخشى ما أخشاه أنيدخل المصر على ذلك في جملة ( تخذواأحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) ، وأنتمتعلمون أن هذه الآية لما نزلت وتلاهاالنبي صلى الله عليه وسلم كان فيالمجلس عدي بن حاتم الطائي وكان منالعرب القليلين الذين قرأوا وكتبواوبالتالي تنصروا فكان نصرانيا ، فلمانزلت هذه الآية لم يتبين له المقصدمنها فقال يا رسول الله كيف يعني ربنايقول عنا نحن النصارى سابقا : ( اتخذواأحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) مااتخذناهم أحبارنا أربابا من دون اللهعز وجل ، كأنه فهم أنهم اعتقدوابأحبارهم ورهبانهم أنهم يخلقون معالله يرزقون مع الله وإلى غير ذلك منالصفات التي تفرد الله بها عز وجل دونسائر الخلق ، فبين له الرسول عليهالسلام بأن هذا المعنى الذي خطر فيبالك ليس هو المقصود بهذه الآية وإنكان هو معنى حق ، يعني لا يجوز للمسلمأن يعتقد أن إنسانا ما يخلق ويرزق لكنالمعنى هنا أدق من ذلك ، فقال له : ( ألستمكنتم إذا حرموا لكم حلالاً حرمتموه ؟وإذا حللوا لكم حراما حللتموه ؟ قال :أما هذا فقد كان . فقال عليه السلام :فذاك اتخاذكم إياهم أربابا من دونالله ) ،لذلك فالأمر خطير جدا استحسان بدعةالمستحسن وهو يعلم أنه لم يكن من عملالسلف الصالح ولو كان خيرا لسبقوناإليه ، قد حشر نفسه في زمرة الأحباروالرهبان الذين اتخذوا أربابا من دونالله عز وجل ، والذين أيضا يقلدونهمفهم الذين نزل في صددهم هذه الآية أوفي أمثالهم : ( اتخذوا أحبارهمورهبانهم أربابا من دون الله ) ، غرضي من هذاأنه لا يجوز للمسلم كما نسمع دائماوكما سمعنا قريبا معليش الخلاف شكلي، الخلاف جذري وعميق جدا لأننا نحنننظر إلى أن هذه البدعة وغيرها داخلةأولاً في عموم الحديث السابق ( كلبدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ) ، وثانيا ننظرإلى أن موضوع البدعة مربوط بالتشريعالذي لم يأذن به الله عز وجل كما قالتعالى ( أم لهم شركاء شرعوالهم من الدين ما لم يأذن به الله ) ، وهذا يقال كلهإذا وقف الأمر فقط عند ما يسمىبالاحتفال بولادته عليه السلام ،بمعنى قراءة قصة المولد ؛ أما إذاانضم إلى هذه القراءة أشياء وأشياءكثيرة جدا ؛ منها أنهم يقرءون من قصتهعليه الصلاة والسلام قصة المولد أولامالا يصح نسبته إلى النبي صلى اللهعليه وسلم ، وثانيا يذكرون من صفاتهعليه السلام فيما يتعلق بولادته مايشترك معه عامة البشر ، بينما لو كانهناك يجب الاحتفال أو يجوز على الأقلبالرسول صلى الله عليه وسلم كانالواجب أن تذكر مناقبه عليه الصلاةوالسلام ؛ وأخلاقه وجهاده في سبيلالله ؛ وقلبه لجزيرة العرب منالإشراك بالله عز وجل إلى التوحيد منالأخلاق الجاهلية الطالحة الفاسدةإلى الأخلاق الإسلامية ، كان هذا هوالواجب أن يفعله لكنهم جروا على نمطمن قراءة الموالد لا سيما إلى عهدقريب عبارة عن أناشيد ، وعبارة عنكلمات مسجعة ، ويقال في ذلك من جملةما يقال مثلا مما بقى في ذاكرتيوالعهد القديم : ( حملت به أمة تسعةأشهر قمرية ) ما الفائدة من ذكر هذاالخبر؟ وكل إنسان منا تحمل به أمهتسعة أشهر قمرية، القصد هل أفضلالبشر وسيد البشر عليه الصلاةوالسلام يذكر منه هذه الخصلة التييشترك فيها حتى الكافر إذا خرج القصدمن المولد خرج عن هدفه بمثل هذاالكلام الساقط الواهي ، بعضهم مثلايذكرون بأنه ولد مختونا مشروع ، وهذامن الأحاديث الضعيفة والموضوعةفهكذا يمدح الرسول عليه السلام ؟يعني نقول أن الاحتفال في أصله لو كانليس فيه مخالفة سوى أنه محدث لكفىوجوبا الابتعاد عنه للأمرينالسابقين ؛ لأنه محدث ولأنه تشريعوالله عز رجل لا يرضى من إنسان أنيشرع للخلق ما يشاء ، فكيف وقد انضمإلى المولد على مر السنين أشياءوأشياء مما ذكرنا ومما يطول الحديثفيما لو استعرضنا الكلام على ذلك ،فحسب المسلم إذاً التذكير هناوالنصيحة أن يعلم أن أي شئ لم يكن فيعهد الرسول عليه السلام وفي عهدالسلف الصالح فمهما زخرفه الناسومهما زينوه ومهما قالوا هذا في حبالرسول وأكثرهم كاذبون فلا يحبونالرسول إلا باللفظ وإلا بالغناءوالتطريب ونحو ذلك مهما زخرفوا هذهالبدع فعلينا نحن أن نظل متمسكين بماعليه سلفنا الصالح رضي الله عنهمأجمعين وتذكروا معنا بأن من طبيعةالإنسان المغالاة في تقدير الشخصالذي يحبه ، لاسيما إذا كان هذا الشخصلا مثل له في الدنيا كلها ألا وهورسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمنطبيعة الناس الغلو في تعظيم هذاالإنسان إلا الناس الذين يأتمرونبأوامر الله عز وجل ولا يعتدون ، فهميتذكرون دائما وأبدا مثل قوله تباركوتعالى : ( وتلك حدود الله فلاتعتدوها ومن يتعد حدود الله فقد ظلمنفسه ) ،فإذا كان الله عز وجل قد اتخذ محمداصلى الله عليه وسلم نبيا فهو قبل ذلكجعله بشرا سويا لم يجعله ملكا خلق مننور مثلا كما يزعمون ، وإنما هو بشروهو نفسه تأكيداً للقرآن الكريم : ( قلإنما أنا بشر مثلكم يوحي... الخ الآية ) هو نفسه أكد ذلكفي غير ما مناسبة فقال : ( إنماأنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذانسيت فذكروني ) ، وقال لهم مرة : ( لاترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللهفيها وإنما ضعوني حيث وضعني ربي عزوجل عبداً رسولاً ) كذلك في الحديثالصحيح في البخاري ومسلم عن النبيصلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لاتطروني كما أطرت النصارى عيسى بنمريم إنما أنا عبد فقولوا عبد اللهورسوله ) ،هذا الحديث تفسير للحديث السابق ( لاترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللهبها ) ،فهو يقول لا تمدحوني كما فعلتالنصارى في عيسى بن مريم كأن قائلايقول كيف نقول يا رسول الله كيف نمدحك؟ قال : ( إنما أنا عبد فقولواعبد الله ورسوله ) ، ونحن حينما نقول فيرسولنا صلى الله عليه وسلم عبد اللهورسوله فقد رفعناه ووضعناه فيالمرتبة التي وضعه الله عز وجل فيها ،لن ننزل به عنها ولم نصعد به فوقها ،هذا الذي يريده رسول الله صلى اللهعليه وسلم متا ، ثم نجد النبي صلواتالله وسلامه عليه يطبق هذه القواعدويجعلها حياة يمشي عليها أصحابهصلوات الله وسلامه معه فقد ذكرت لكمغير ما مرة قصة معاوية بن جبل رضيالله عنه حينما جاء إلى الشام وهييومئذ من بلاد الروم بلاد النصارىيعبدون القسيسين والرهبان بقى فيالشام ما بقى لتجارة فيما يبدو ، ولماعاد إلى المدينة فكان لما وقع بصرهعلى النبي صلى الله عليه وسلم همليسجد لمن ؟ لسيد الناس ، فقال لهعليه الصلاة والسلام : ( مه يامعاذ ـ شو هذا ـ قال يا رسول الله : إنيأتيت الشام ، فرأيت النصارى يسجدونلقسيسيهم وعظمائهم ، فرأيتك أنت أحقبالسجود منهم ، فقال عليه الصلاةوالسلام : ( لو كنت آمراً أحداً أنيسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجدلزوجها لعظم حقه عليها ) وهذا الحديث جاء فيمناسبات كثيرة لا أريد أن أستطردإليها ، وحسبنا هنا أن نلفت النظر إلىما أراد معاذ بن جبل أن يفعل منالسجود للنبي صلى الله عليه وسلم ماالذي دفعه على هذا السجود ؟ هل هوبغضه للرسول عليه السلام ؟ بطبيعةالحال لا ، إنما هو العكس تماما هوحبه للنبي صلى الله عليه وسلم الذيأنقذه من النار لولا ـ هنا يقالالواسطة لا تنكر ـ لولا الرسول عليهالسلام أرسله الله إلى الناس هدايةلجميع العالم ، لكان الناس اليوميعيشون في الجاهلية السابقة وأضعافمضاعفة عليها ، فلذلك ليس غريباأبداً لاسيما والتشريع بعد لم يكن قدكمل وتم ، ليس غريبا أبدا أن يهم معاذبن جبل بالسجود للنبي صلى الله عليهوسلم كإظهار لتبجيله واحترامهوتعظيمه ، لكن النبي صلى الله عليهوسلم الذي كان قرر في عقولهم وطبعهمعلى ذلك يريد أن يثبت عمليا بأنه بشر، وأن هذا السجود لا يصلح إلا لربالبشر ، ويقول : ( لو كنت آمراً أحداًأن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجدلزوجها لعظم حقه عليها ) ، في بعضروايات الحديث : ( ولكن لا يصلح السجودإلا لله عز وجل ) ، إذا نحن لو استسلمنالعواطفنا لسجدنا لنبينا صلى اللهعليه وسلم سواء كان حياً أو ميتالماذا ؟ تعظيما له لأن القصد تعظيمهوليس القصد عبادته عليه السلام ،ولكن إذا كنا صادقين في حبه عليهالصلاة والسلام فيجب أن تأتمر بأمرهوأن ننتهي بنهيه ، وألا نضرب بالأمروالنهي عرض الحائط بزعم أنه نحن نفعلذلك حباً لرسول الله صلى الله عليهوسلم ، كيف هذا ؟ هذا أولاً عكس للنصالقرآني ، ثم عكس للمنطق العقليالسليم ، ربنا عز وجل يقول : ( قل إنكنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكمالله ) ،فإذا اتباع الرسول عليه السلام هوالدليل الحق الصادق الذي لا دليلسواه على أن هذا المتبع للرسول عليهالسلام هو المحب لله ولرسوله صلىالله عليه وسلم ، ومن هنا قال الشاعرقوله المشهور :

تعصى الإله وأنت تظهرحبه *** هذا لعمرك في القياس بديع

لو كان حبك صادقاً لاطعته *** إن المحبلمن يحب مطـيع

هناكمثال دون هذا ومع ذلك فرسول الله صلىالله عليه وسلم ربى أصحابه عليه ، ذلكأن الناس في الجاهلية كانوا يعيشونعلى عادات جاهلية وزيادة أخرى عاداتفارسية أعجمية ، ومن ذلك أنه يقومبعضهم لبعض كما نحن نفعل اليوم تماما؛ لأننا لا نتبع الرسول عليه السلامولا نصدق أنفسنا بأعمالنا أننا نحبهعليه الصلاة والسلام ، وإنمابأقوالنا فقط ذلك أن الناس كان يقومبعضهم لبعض ، أما الرسول صلى اللهعليه وسلم فقد كان أصحابه معه كما لوكان فرداً منهم ، لا أحد يظهر له منذلك التبجيل الوثني الفارسي الأعجميشيئا إطلاقا ، وهذا نفهمه صراحة منحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ( ما كانشخص أحب إليهم من رسول الله صلى اللهعليه وسلم و كانوا لا يقومون لمايعلمون من كراهيته لذلك ) أنظروا هذا الصحابيالجليل الذي تفضل الله عليه فأولاهخدمة نبيه عشرة سنين أنس بن مالك ،كيف يجمع في هذا الحديث بين الحقيقةالواقعة بينه عليه السلام وبينأصحابه من حبهم إياه وبين هذا الذييدندن حوله أن هذا الحب يجب أن يقيدبالإتباع وأن لا ينصاع وأن لا يخضعصاحبه من هوى ، وحبك الشيء يعمي ويصم، فهو يقول حقا ما كان شخص أحب إليهممن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذهحقيقة لا جدال فيها ، لكنه يعطف علىذلك فيقول وكانوا لا يقومون لمايعلمون من كراهيته لذلك ، إذا لماذاكان أصحاب الرسول عليه السلام لايقومون له ؟ إتباعا له تحقيقا للآيةالسابقة : ( إن كنتم تحبون اللهفاتبعوني )، فاتباع الرسول هو دليل حب الله حباصحيحاً ، ما استسلموا لعواطفهم كماوقع من الخلف الطالح ، نحن نقرأ فيبعض الرسائل التي ألفت حول هذاالمولد الذي نحن في صدد بيان أنه محدثجرت مناقشات كثيرة مع الأسف والأمركالصبح أبلج واضح جداً ، فناس ألفوافي بيان ما نحن في صدده أن هذا ليس منعمل السلف الصالح وليس عبادة وليسطاعة ، وناس تحمسوا واستسلموالعواطفهم وأخذوا يتكلمون كلاماً لايقوله إلا إنسان ممكن أن يقال في مثلهإن الله عز وجل إذا أخذ ما وهب أسقط ماأوجب لماذا ؟ لأن في المولد حتىالطريقة القديمة ما أدري الآن لعلهمنسخوها أو عدلوها كانوا يجلسون علىالأرض فكانوا إذا جاء القارئ لقصةولادة الرسول عليه السلام ووضع أمهإياه قاموا جميعاً قياماً وكانوايبطشون بالإنسان إذا لم يتحرك وظلجالساً ، فجرت مناقشات حول هذاالموضوع ، فألف بعضهم رسالة فقال هذاالإنسان الأحمق قال : لو استطعت أنأقوم لولادة الرسول عليه السلام علىرأسي لفعلت ، هذا يدري ما يقول ، الحقما قال الشاعر :

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة *** وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

 ترىإذا عملنا مقابلة بين هذا الإنسانالأحمق وبين صحابة الرسول الكرام ،حسبنا واحد منهم مش الصحابة حتى مانظلمهم ، ترى من الذي يحترم ويوقرالرسول عليه السلام أكثر أذاكالصحابي الذي إذا دخل الرسول عليهالسلام لا يقوم له أم هذا الخلفالأحمق يقول لو تمكنت لقمت على رأسي ؟هذا كلام إنسان مثل ما قلنا آنفاًيعني هايم ما يدري ما يخرج من فمه ،وإلا إذا كان يتذكر سيرة الرسول عليهالسلام وأخلاقه وتواضعه وأمره للناسبأنه ما يرفعوه إلى آخر ما ذكرناآنفاً لما تجرأ أن يقول هذه الكلمة ،لاسيما وهو يقول ذلك بعد وفاته عليهالسلام حيث الشيطان يتخذ طريقا واسعاجدا لإضلال الناس ، وإشكال الناسلنبيهم بعد وفاته أكثر منه في حياتهعليه السلام لأن النبي صلى الله عليهوسلم وهو حي يرى فينصح ويذكر ويعلم ،وهو سيد المعلمين ، فلا يستطيعالشيطان أن يتقرب إلى أحد بمثل هذاالتعظيم الذي هو من باب الشرك ، أمابعد وفاته عليه السلام فهنا ممكن أنالشيطان يتوغل إلى قلوب الناسوإخراجهم عن الطريق الذي تركهمالرسول صلوات الله وسلامه عليه ،فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم فيحياته ما يقوم له أحد وهو أحق الناسبالقيام لو كان سائغاً ، فنحن نعلم منهذا الحديث حديث أنس أن الصحابةكانوا يحبون الرسول عليه السلام حباحقيقياً وأنهم لو تركوا لأنفسهملقاموا له دائما وأبداً ، ولكنهم همالمجاهدون حقاً تركوا أهواءهمإتباعاً للرسول عليه السلام ، ورجاءمغفرة الله عز وجل ليحظوا بحب الله عزوجل لهم فيغفر الله لهم ، هكذا يكونالإسلام فالإسلام هو الاستسلام هذهالحقيقة هي التي يجب دائما نستحضرها، وأن نبتعد دائماً وأبداً عنالعواطف التي تفرق الناس كثيراًوكثيراً جداً فتخرجهم عن سواء السبيل، لم يبق الآن من تعظيم الرسول عليهالسلام في المجتمعات الإسلامية إلاقضايا شكلية ، أما التعظيم من حق كماذكرنا وهو إتباعه فهذا أصبح محصوراًو محدوداً في أشخاص قليلين جداً ،وماذا يقول الإنسان في الاحتفالاتاليوم ، رفع الصوت والتطريب وغناء لورفع صوته هذا المغني واضطرب وحركرأسه ونحو ذلك أمام الرسول صلى اللهعليه وسلم لكان ذلك لا أقول هل هوالكفر وإنما هو إهانة للرسول عليهالسلام لكان ذلك ، لا أقول هل هوالكفر وإنما هو إهانة للرسول عليهالسلام وليس تعظيما له وليس حبا له ،لأنه حينما ترونه يرفع صوته ويمدويطلع وينزل في أساليب موسيقية ماأعرفها وهو يقول يفعل ذلك حبا في رسولالله أنه كذاب ليس هذا هو الحب ، الحبفي اتباعه ولذلك الآن تجد الناسفريقين فريق يقنعون لا ثبات أنهممحبون للرسول عليه السلام على النصعلى الصمت وهو العمل في أنفسهم فيأزواجهم في ذرياتهم ، وناس آخرونيدعون هذا المجال فارغا في بيوتهم فيأزواجهم في بناتهم في أولادهم لايعلمونهم السنة ولا يربونهم عليهاكيف وفاقد الشيء لا يعطيه ؟ وإنما لميبق عندهم إلا هذه المظاهر ، إلاالاحتفال بولادة الرسول عليه السلام، ثم جاء الظغث على إبالة كما يقالفصار عندنا أعياد واحتفالات كثيرةكما جاء الاحتفال بسيد البشر تقليداًللنصارى كذلك جرينا نحن حتى فياحتفالنا بمواليد أولادنا أيضاً علىطريقة النصارى ، وإن تعجب فعجب من بعضهؤلاء المنحرفين عن الجادة يقولونالنصارى يحتفلوا بعيسى بنبيهم ، نحنما نحتفل بميلاد نبينا عليه الصلاةوالسلام ؟ أقول هذا يذكرنا بما حينماكان في طريق في سفر فمروا بشجرة ضخمةللمشركين كانوا يعلقون عليهااسلحتهم ، فقالوا كلمة بريئة جداًولكنها في مشابهة لفظية قالوا : ( يارسول الله أجعل لنا ذات أنواط كما لهمذات أنواط ، قال عليه السلام الله :أكبر هذه السنن لقد قلتم كما قال قومموسى لموسى : ( أجعل لنا إلها كما لهمآلهة ) ) ،قد يستغرب الإنسان كيف الرسول عليهالسلام يقتبس من هذه الآية حجة علىهؤلاء الذين ما قالوا أجعل لنا إلهاًكما لهم آلهة ، وإنما قالوا اجعل لناشجرة نعلق عليها أسلحتنا كما لهمشجرة فقال لهم : ( هذه السنن - يعنيبدأتهم تسلكون سنن من قبلكم كما فيالأحاديث الصحيحة ـ قلتم كما قال قومموسى لموسى : ( اجعل لنا إلهاً كما لهمآلهة ) ) ،فكيف بمن يقول اليوم صراحة النصارىيحتفلوا بعيساهم نحن ما نحتفل بنبيناعليه السلام ؟ الله أكبر هذه السننوصدق الرسول صلى الله عليه وسلم حينقال : ( لتتبعن سنن من قبلكمشبراً بشبر وذراعا بذراع حتى دخلواجحر ضب لدخلتموه ، قالوا : يا رسولالله اليهود والنصارى هم ؟ قال : فمنالناس ؟ ) .

أخيرا أقول إن الشيطان قاعد للإنسانفي المرصاد فهو دائماً وأبداً يجتهدلصرف المسلمين عن دينهم ولا يصرفهممعلنا ) انتهت محاضرة " حكمالاحتفال بالمولد النبوي " للشيخالألباني رحمه الله نقلاً من موقع" أنا المسلم " .

فتوى الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله في حكم الاحتفال بالمولد النبوي

 

سئلفضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح بنعثيمين حفظه الله كما في " فتاوىالشيخ محمد الصالح العثيمين "إعداد وترتيب أشرف عبد المقصود ( 1 / 126) : ما الحكم الشرعي في الاحتفالبالمولد النبوي ؟

فأجاب فضيلته :

( نرى أنه لا يتم إيمان عبد حتى يحبالرسول صلى الله عليه وسلم ويعظمهبما ينبغي أن يعظمه فيه ، وبما هولائق في حقه صلى الله عليه وسلم ولاريب أن بعثة الرسول عليه الصلاةوالسلام ولا أقول مولده بل بعثتهلأنه لم يكن رسولاً إلا حين بعث كماقال أهل العلم نُبىءَ بإقرأ وأُرسلبالمدثر ، لا ريب أن بعثته عليهالصلاة والسلام خير للإنسانية عامة ،كما قال تعالى : ( قل يأيها الناس إنيرسول الله إليكم جميعاً الذي له ملكالسموات والأرض لا إله إلا هو يحييويميت فآمنوا بالله ورَسُولِهِالنبي الأمي الذين يؤمن باللهوكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ) ( الأعراف : 158 ) ،وإذا كان كذلك فإن من تعظيمه وتوقيرهوالتأدب معه واتخاذه إماماًومتبوعاً ألا نتجاوز ما شرعه لنا منالعبادات لأن رسول الله صلى اللهعليه وسلم توفى ولم يدع لأمته خيراًإلا دلهم عليه وأمرهم به ولا شراً إلابينه وحذرهم منه وعلى هذا فليس منحقنا ونحن نؤمن به إماماً متبوعاً أننتقدم بين يديه بالاحتفال بمولده أوبمبعثه ، والاحتفال يعني الفرحوالسرور وإظهار التعظيم وكل هذا منالعبادات المقربة إلى الله ، فلايجوز أن نشرع من العبادات إلا ما شرعهالله ورسوله وعليه فالاحتفال بهيعتبر من البدعة وقد قال النبي صلىالله عليه وسلم : " كل بدعةضلالة "قال هذه الكلمة العامة ، وهو صلى اللهعليه وسلم أعلم الناس بما يقول ،وأفصح الناس بما ينطق ، وأنصح الناسفيما يرشد إليه ، وهذا الأمر لا شكفيه ، لم يستثن النبي صلى الله عليهوسلم من البدع شيئاً لا يكون ضلالة ،ومعلوم أن الضلالة خلاف الهدى ،ولهذا روى النسائي آخر الحديث : " وكلضلالة في النار " ولو كان الاحتفالبمولده صلى الله عليه وسلم من الأمورالمحبوبة إلى الله ورسوله لكانتمشروعة ، ولو كانت مشروعة لكانتمحفوظة ، لأن الله تعالى تكفل بحفظشريعته ، ولو كانت محفوظة ما تركهاالخلفاء الراشدون والصحابةوالتابعون لهم بإحسان وتابعوهم ،فلما لم يفعلوا شيئاً من ذل علم أنهليس من دين الله ، والذي أنصح بهإخواننا المسلمين عامة أن يتجنبوامثل هذه الأمور التي لم يتبن لهممشروعيتها لا في كتاب الله ، ولا فيسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولافي عمل الصحابة رضي الله عنهم ، وأنيعتنوا بما هو بيّن ظاهر من الشريعة ،من الفرائض والسنن المعلومة ، وفيهاكفاية وصلاح للفرد وصلاح للمجتمع .

وإذا تأملت أحوال هؤلاء المولعينبمثل هذه البدع وجدت أن عندهم فتوراًعن كثير من السنن بل في كثير منالواجبات والمفروضات ، هذا بقطعالنظر عما بهذه الاحتفالات من الغلوبالنبي صلى الله عليه وسلم الموديءإلى الشرك الأكبر المخرج عن الملةالذي كان رسول الله صلى الله عليهوسلم نفسه يحارب الناس عليه ،ويستبيح دماءهم وأموالهم وذراريهم ،فإننا نسمع أنه يلقى في هذهالاحتفالات من القصائد ما يخرج عنالملة قطعاً كما يرددون قول البوصيري:

يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادثالعمم

إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي صفحاًوإلا فقل يا زلة القدم

فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومكعلم اللوح والقلم

مثل هذه الأوصاف لا تصح إلا لله عز وجل ،وأنا أعجب لمن يتكلم بهذا الكلام إنكان يعقل معناه كيف يسوغ لنفسه أنيقول مخاطباً النبي عليه الصلاةوالسلام : ( فإن من جودك الدنيا وضرتها) ومن للتبعيض والدنيا هي الدنياوضرتها هي الآخرة ، فإذا كانت الدنياوالآخرة من جود الرسول عليه الصلاةوالسلام ، وليس كل جوده ، فما الذيبقي لله عز وجل ، ما بقي لله عز وجل ،ما بقي له شيء من الممكن لا في الدنياولا في الآخرة .

وكذلك قوله لله : ( ومن علومك علماللوح والقلم ) ومن : هذه للتبعيض ولاأدري ماذا يبقى تعالى من العلم إذاخاطبنا الرسول عليه الصلاة والسلامبهذا الخطاب .

ورويدك يا أخي المسلم .. إن كنت تتقيالله عز وجل فأنزل رسول الله صلى اللهعليه وسلم منزلته التي أنزله الله ..أنه عبد الله ورسوله فقل هو عبداللهورسوله ، واعتقد فيه ما أمره ربه أنيبلغه إلى الناس عامة : ( قل لاأقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلمالغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبعإلا ما يوحى إلي ) ( الأنعام : 50 ) ، وماأمره الله به في قوله : ( قل إنيلا أملك لكم ضراً ولا رشداً ) ( الجن : 21 ) ،وزيادة على ذلك : ( قل إني لنيجيرني من الله أحد ولن أجد من دونهملتحداً )( الجن : 22 ) ، حتى النبي عليه الصلاةوالسلام لو أراد الله به شيئاً لا أحديجيره من الله سبحانه وتعالى .

فالحاصل أن هذه الأعياد أوالاحتفالات بمولد الرسول عليهالصلاة والسلام لا تقتصر على مجردكونها بدعة محدثة في الدين بل هي يضافإليها شئ من المنكرات مما يؤدي إلىالشرك .

وكذلك مما سمعناه أنه يحصل فيهااختلاط بين الرجال والنساء ، ويحصلفيها تصفيق ودف وغير ذلك من المنكراتالتي لا يمتري في إنكارها مؤمن ، ونحنفي غِنَى بما شرعه الله لنا ورسولهففيه صلاح القلوب والبلاد والعباد   انتهت فتوى الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله في حكم الاحتفال بالمولد .

 

مقال " حكم الاحتفال بذكرى المولد النبوي " للشيخ صالح الفوزان حفظه الله  عضوء هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

 

( الحمد لله ربالعالمين، والصلاة والسلام علىنبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:

فلا يخفى ما ورد في الكتاب والسنة منالأمر باتباع ما شرعه الله ورسوله،والنهي عن الابتداع في الدين، قالتعالى : ( قل إن كنتم تحبونالله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكمذنوبكم ) (آل عمران: 31 ) ، وقال ـ تعالى ـ : ( اتبعواما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا مندونه أولياء قليلا ما تذكرون ولا ) ( الأعراف : 3 ) ،وقال - تعالى -: ( وأن هذا صراطيمستقيما فاتبعوه تتبعوا السبل فتفرقبكم عن سبيله إن ) ( الأنعام : 153 ) ، وقالصلى الله عليه وسلم : ( أصدق الحديثكتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشرالأمور محدثاتها الله ) ، وقال صلى عليه وسلمعمل : ( من أحدث في أمرنا هذاما ليس منه فهو رد ) ، وفي رواية لمسلم : ( منعملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) .

وإن من جملة ما أحدثه الناس من البدعالمنكرة الاحتفال بذكرى المولدالنبوي في شهر ربيع الأول ؛ وهم فيهذا الاحتفال على أنواع :

فمنهم من يجعله مجرد اجتماع تُقرأفيه قصة المولد ، أو تُقدَّم فيه خطبوقصائد في هذه المناسبة.

ومنهم من يصنع الطعام والحلوى وغيرذلك ويقدمه لمن حضر.

ومنهم من يقيمه في المساجد ، ومنهم منيقيمه في البيوت.

ومنهم من لا يقتصر على ما ذكر ، فيجعلهذا الاجتماع مشتملاً على محرماتومنكرات من اختلاط الرجال بالنساءوالرقص والغناء، أو أعمال شركيةكالاستغاثة بالرسول صلى الله عليهوسلم وندائه والاستنصار به علىالأعداء وغير ذلك ، وهو بجميع أنواعهواختلاف أشكاله واختلاف مقاصدفاعليه لا شك ولا ريب أنه بدعة محرمةمحدثة بعد القرون المفضلة بأزمانطويلة ؛ فأول من أحدثه الملك المظفرأبو سعيد كوكبوري ملك إربل في آخرالقرن السادس أو أول القرن السابعالهجري ، كما ذكره المؤرخون كابنكثير وابن خلكان وغيرهما .

وقال أبو شامة : وكان أول من فعل ذلكبالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحدالصالحين المشهورين ، وبه اقتدى فيذلك صاحب إربل وغيره .

قال الحافظ ابن كثير في " البدايةوانهاية " ( 13 / 137 ) في ترجمة أبيسعيد كوكبوري : ( وكان يعمل المولدالشريف في ربيع الأول ويحتفل بهاحتفالاً هائلاً... إلى أن قال : قالالسبط : حكى بعض من حضر سماط المظفر فيبعض الموالد أنه كان يمد في ذلكالسماط خمسة آلاف رأس مشوي ، وعشرةآلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية ،وثلاثين ألف صحن حلوىقال : ويعملللصوفية سماعاً من الظهر إلى الفجرويرقص بنفسه معهم ) اهـ ... إلى أن .

وقال ابن خلكان في " وفيات الأعيان" ( 3 / 274 ) : فإذا كان أول صفرزينوا تلك القباب بأنواع الزينةالفاخرة المتجملة ، وقعد في كل قبةجوق من الأغاني ، وجوق من أربابالخيال ومن أصحاب الملاهي ، ولميتركوا طبقة من تلك الطبقات ( طبقاتالقباب ) حتى رتبوا فيها جوقاً .

وتبطلمعايش الناس في تلك المدة ، وما يبقىلهم شغل إلا التفرج والدوران عليهم...إلى أن قال : فإذا كان قبل يوم المولدبيومين أخرج من الإبل والبقر والغنمشيئاً كثيراً زائداً عن الوصف وزفهابجميع ما عنده من الطبول والأغانيوالملاهي، حتى يأتي بها إلى الميدان...إلى أن قال فإذا كانت ليلة المولد عملالسماعات بعد أن يصلي المغرب فيالقلعة .اهـ .

: فهذا مبدأ حدوث الاحتفال بمناسبةذكرى المولد، حدث متأخراً ومقترناًباللهو والسرف وإضاعة الأموالوالأوقات ، وراء بدعة ما أنزل اللهبها من سلطان .

والذي يليق بالمسلم إنما هو إحياءالسنن وإماتة البدع ، وأن لا يقدم علىعمل حتى يعلم حكم الله فيه.

هذا ؛ وقد يتعلق من يرى إحياء هذهالبدعة بشبه أوهى من بيت العنكبوت ،ويمكن حصر هذه الشبه فيما يلي :

1 - دعواهم أن في ذلك تعظيماً للنبيصلى الله عليه وسلم .

والجواب عن ذلك أن نقول : إنما تعظيمهصلى الله عليه وسلم بطاعته وامتثالأمره واجتناب نهيه ومحبته صلى اللهعليه وسلم ، وليس تعظيمه بالبدعوالخرافات والمعاصي ، والاحتفالبذكرى المولد من هذا القبيل المذموم؛ لأنه معصية وسلم هم . وأشد الناستعظيماً للنبي صلى الله عليه الصحابةلقد - رضي الله عنهم ـ ، كما قال عروةبن مسعود لقريش : ( يا قوم ! واللهوفدت على كسرى وقيصر والملوك ، فمارأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظمأصحاب محمد محمداً صلى الله عليهوسلم ، والله ما يمدون النظر إليهتعظيماً له ) ، ومع هذا التعظيم ماجعلوا يوم مولده عيداً واحتفالاً ،ولو كان ذلك مشروعاً ما تركوه.

2 - الاحتجاج بأن هذا عمل كثير منالناس في كثير من البلدان.

والجواب عن ذلك أن نقول : الحجة بماثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم .والثابت عن الرسول صلى الله عليهوسلم النهي عن البدع عموماً ، وهذامنها. وعمل الناس إذا خالف الدليلفليس بحجة ، وإن كثروا : ( وإنتطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيلالله ) (الأنعام بطلانها : 116) ، مع أنه لا يزالـ بحمد الله ـ في كل عصر من ينكر هذهالبدعة ويبين ، فلا حجة بعمل من استمرعلى إحيائها بعد ما تبين له الحق .

فممن أنكر الاحتفال بهذه المناسبةشيخ الإسلام ابن تيمية في " اقتضاءالصراط المستقيم " ، والإمامالشاطبي في عمر " الاعتصام " ،وابن الحاج في " المدخل " ،والشيخ تاج الدين علي بن اللخميألَّف في إنكاره كتاباً مستقلاً ،والشيخ محمد بشير السهسواني الهنديفي كتابه " صيانة الإنسان " ،والسيد محمد رشيد رضا ألَّف فيهرسالة مستقلة ، والشيخ محمد بنإبراهيم آل الشيخ ألف فيه رسالةمستقلة ، وسماحة الشيخ عبد العزيز بنباز ، وغير هؤلاء ممن لا يزالونيكتبون في إنكار هذه البدعة كل سنة فيصفحات الجرائد والمجلات ، في الوقتالذي تقام فيه هذه البدعة .

3 ـ يقولون : إن في إقامة المولد إحياءلذكر النبي صلى الله عليه وسلم .

والجواب عن ذلك أن نقول ذكره : إحياءذكر النبي صلى الله عليه وسلم يكونبما شرعه الله من في الأذان والإقامةوالخطب والصلوات وفي التشهد والصلاةعليه وقراءة سنته واتباع ما جاء به ؛وهذا شيء مستمر يتكرر في اليوموالليلة دائماً ، لا في السنة مرة .

4 ـ قد يقولون : الاحتفال بذكرى المولدالنبوي أحدثه ملك عادل عالم ، قصد بهالتقرب إلى الله !

والجواب عن ذلك أن نقول : البدعة لاتُقبل من أي أحد كان ، وحسْن القصد لايسوِّغ العمل السيئ ، وكونه عالماًوعادلاً لا يقتضي عصمته .

5 ـ قولهم : إن إقامة المولد من قبيلالبدعة الحسنة ؛ لأنه ينبئ عن الشكرلله على وجود النبي الكريم !

ويجاب عن ذلك بأن يقال : ليس في البدعشيء حسن ؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهورد ) ،ويقال أيضاً : لماذا تأخر القيام بهذاالشكر ـ على زعمكم ـ إلى آخر القرنالسادس ، فلم يقم به أفضل القرون منالصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وهم أشد محبة للنبي صلى الله عليهوسلم وأحرص على فعل الخير والقيامبالشكر ؛ فهل كان من أحدث بدعة المولدأهدى منهم وأعظم شكراً لله - عز وجل - ؟حاشا وكلاَّ .

6 ـ قد يقولون : إن الاحتفال بذكرىمولده صلى الله عليه وسلم ينبئ عنمحبته ؛ فهو مظهر من مظاهرها وإظهارمحبته صلى الله عليه وسلم مشروع !

والجواب أن نقول : لا شك أن محبته صلىالله عليه وسلم واجبة على كل مسلمأعظم من محبة النفس والولد والوالدوالناس أجمعين ـ بأبي هو وأمي صلواتالله وسلامه عليه ـ ، ولكن ليس معنىذلك أن نبتدع في ذلك شيئاً لم يشرعهلنا ، بل محبته تقتضي طاعته واتباعه ؛فإن ذلك من أعظم مظاهر محبته ، كماقيل :

لو كان حبك صادقا ًلأطعته *** إن المحـبّ لمــن يحــب مطيع 

فمحبته صلى الله عليهوسلم تقتضي إحياء سنته والعض عليهابالنواجذ ومجانبة ما خالفها منالأقوال والأفعال ، ولا شك أن كل ماخالف سنته فهو بدعة مذمومة ومعصيةظاهرة ، ومن ذلك الاحتفال بذكرىمولده وغيره من البدع . وحسن النية لايبيح الابتداع في الدين ؛ فإن الدينمبني على أصلين : الإخلاص ، والمتابعة، قال تعالى : ( بلى من أسلم وجهه للهوهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوفعليهم ولا هم يحزنون ) ( البقرة : 112 ) ، فإسلامالوجه هو الإخلاص لله ، والإحسان هوالمتابعة للرسول وإصابة السنة .

وخلاصة القول يجب : أن الاحتفال بذكرىالمولد النبوي بأنواعه واختلافأشكاله بدعة منكرة على المسلمينمنعها ومنع غيرها من البدع ،والاشتغال بإحياء السنن والتمسك بها، ولا يغتر بمن يروِّج هذه البدعةويدافع عنها ؛ فإن هذا الصنف يكوناهتمامهم بإحياء البدع أكثر مناهتمامهم بإحياء السنن ، بل ربما لايهتمون بالسنن أصلاً ، ومن كان هذاشأنه فلا يجوز تقليده والاقتداء به ،وإن كان هذا الصنف هم أكثر الناس ،وإنما يقتدي بمن سار على نهج السنة منالسلف الصالح وأتباعهم وإن كانواقليلاً ؛ فالحق لا يُعْرف بالرجال ،وإنما يُعْرف الرجال بالحق .

قال صلى الله عليه وسلم : ( فإنهمن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ؛فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدينالمهديين من بعدي ، عضّوا عليهابالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ،فإن كل بدعة ضلالة ) ، فبين لنا صلى اللهعليه وسلم في هذا الحديث الشريف بمننقتدي عند الاختلاف ، كما بين أن كلما خالف السنة من الأقوال والأفعالفهو بدعة وكل بدعة ضلالة .

وإذا عرضنا الاحتفال بالمولد النبويلم نجد له أصلاً في سنة رسول الله صلىالله عليه وسلم ، ولا في سنة خلفائهالراشدين ، إذاً فهو من محدثاتالأمور ومن البدع المضلة ، وهذاالأصل الذي تضمنه هذا الحديث قد دلعليه قوله تعالى والرسول إن : ( فإنتنازعتم في شيء فردوه إلى الله كنتمتؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيروأحسن تأويلا ) ( النساء : 59 ) .

والرد إلى الله هو الرجوع إلى كتابهالكريم ، والرد إلى الرسول صلى اللهعليه وسلم هو الرجوع إلى سنته بعدوفاته ؛ فالكتاب والسنة هما المرجععند التنازع ، فأين في الكتاب والسنةما يدل على مشروعية الاحتفال بالمولدالنبوي ؟ فالواجب على من يفعل ذلك أويستحسنه أن يتوب إلى الله ـ تعالى ـمنه ومن غيره من البدع ؛ فهذا هو شأنالمؤمن الذي ينشد الحق ، وأما من عاندوكابر بعد قيام الحجة فإنما حسابهعند ربه .

هذا ؛ ونسأل الله ـ سبحانه وتعالى ـأن يرزقنا التمسك بكتابه وسنة رسولهإلى يوم نلقاه ، وصلى الله وسلم وباركعلى نبينا محمد وآله وصحبه ) انتهىمقال " حكم الاحتفال بذكرى المولدالنبوي " للشيخ صالح الفوزان حفظه الله نقلاُ من مجلة البيان ( العدد 139 )ربيع الأول 1420 هـ .
 

موقع الرسالة الحقوق لكل مسلم إشراف حمه المهدي
البريد الالكتروني
hama_1984_1@yahoo,fr
الرسالة 2006/200
9
الصحراء الغربية