إلى صالح ولد حننه، بعد التحية..
بقلم: محمد فال ولد سيدي ميلة
يشقيني جدا أن اكتب إليك بأسلوب المخاطب المفرد
غير المفخم .. لكن الرحلة إلى من يجعلون "الأعزة
أذلة" نزاعة للألقاب، فتاكة بالأوصاف .. فلتعذر (انت)
سخرية القدر إذ أنزلتك من عاج الأسطورة إلى غبار
الواقع، ولنعذر (نحن) إكراهات المقر والعمل
والمهرجانات.
لقد
كنت، في مقدمة الزحف، فارسا شهما، لم تجبن لك خيل
أبدا، وان تذكرت مرابضها مرتين. كنت في مخيلتنا
فارس التغيير، صانع طريق الإصلاح، فاتح قلاع
الأمل. كانت انقلاباتك، رغم الفشل الذريع، قمة في
التمسك بخط التغيير والوقوف إلى جانب المقهورين
الطامحين إلى الإنصاف، فكنت بذلك رمزا للعدالة،
ليس في موريتانيا فحسب، بل في شبه المنطقة، وربما
في أية بقعة يعيش أهلها القهر والظلم والجبروت.
وهكذا اصبح اسمك ملازما لاصلاح، ملاصقا للعدل،
مترجما للقيم، مذكرا بالمثل في أقصى طوباويتها.
وفي غفلة من الجميع نراك تسبح مع "الدراويش" في
محيط ضحل كنا نحسبك آخر من سيعتامه. انها مفاجئات
الدنيا الدنيئة: تلك القادرة وحدها على تحويل
البطل من رمز ملائكي الى ميكافيل من الورق
الباهت!..
قلت
على شاشة الجزيرة، أمام ملايين المشاهدين، انك
تدعو إلى تقرير المصير بشأن الصحراء الغربية،
وبعثت إلى مدينة اتفاريتي شخصية بارزة من حزبك،
فقرأت بيانا رسميا، اعد سلفا، أكدت فيه تمسك حاتم
(!!) المبدئي بحق الصحراويين في تقرير مصيرهم
وتضامنه مع نضالاتهم المشروعة. واليوم تطلع علينا
من شاشات مغربية داعيا إلى الاستقلال الذاتي،
مؤيدا طروحات المخزن، ومعتبرا أن بناء دولة سادسة
في المغرب العربي غير وارد.
إنها بداية مسلسل الانتكاسات: مرض أصاب قبلك
الكثير من الساسة والأطر الموريتانيين، غير أننا
كنا نقبل من غيرك ما لا نقبل منك، لأنك ببساطة احد
الرموز المنقوشة في عمق ذاكرتنا. فماذا دعاك إلى
الوقوف إلى جانب القاهرين وترك مقعدك شاغرا بين
المقهورين؟
محزن جدا أن تصبح طافح اليوم بعد أن كنت صالحا
الأمس، فماذا تريد أكثر من رمز كبير له ماضي مشرف؟
وماذا تريد أكثر من برلماني محترم، وزعيم حزب
محترم، وصاحب صيت ذائع؟ وكيف تقبل أن تذرو عاصفة
المصالح كل هاتيك المكتسبات؟ .. انه لمن دواعي
الشفقة عليك أن تختار اليوم صف الرجعيين وأنت متكئ
على الأرائك في قلب كل مظلوم!.. قد يقول قائل بان
خلفيتك القومية (الناصرية) ترفض إقامة دولة (أو
دويلات كما تسمونها) عربية جديدة، لان ذلك "يزيد
من تشرذم الأمة". لكن هذا يقتضي منك فهم فكرتين
أساسيتين: الأولى أن الناصريين هم من أسقطوا
الملكية في مصر واضعين أسس نظام جمهوري شعبي
وبالتالي كانوا بحكم طبيعتهم الثورية ضد الملكية
بكل تجلياتها (التوسعية والإقطاعية)، والأمر في
الصحراء الغربية يتعلق بمملكة تريد التوسع على
حساب شعب رافض. فهل تستطيع أن تكون ناصريا جمهوريا
ورجعيا ملكيا في آن واحد؟ وأين أنت من مبادئ
التحرر التي ناد بها جمال عبد الناصر وتيتو
وانكوروما؟ .. أما الثانية فهي الفرق الشاسع بين
التوحد والضم، فالكل يدعوا إلى الوحدة العربية
(والإفريقية تارة) كما أن جل الآراء ترفض الانفصال
وقيام "كانتونات" جديدة، إلا أن المستنيرين يعرفون
وبشدة الفروق الكثيرة بين الوحدة والضم.
فالوحدة (مطلوبة جدا) مبادرة حرة شرطها الأساسي
قبول الطرفين والضم (المدان جدا)، مبادرة
توتاليتارية مرفوضة من طرف جهة واحدة. وهكذا فان
الوحدة عمل تقبل به القوانين وتؤيده الأذواق
السليمة، بينما لا يوجد قانون دولي يقبل بالضم
المتناقض مع روح الإرادة وحق الاختيار.
فأحرار العالم يرفضون "الضم في غير النحو والعشق"
على حد تعبير الدكتور محيي الدين اعميمور .. فأين
قلبك النابض بحق الشعوب في الانعتاق؟ وأين فكرك
التقدمي؟ لا احد من طرازك يقبل بأن يكون قلبه مع
المظلومين وسيفه مع الظالمين، فعهد المعايير
المزدوجة قد ولى، ونجم تمرير المغالطات قد افل.
ورغم أنني لا أخالك قارئا بليدا لتاريخ النزاع أرى
من المناسب تذكيرك بأن المغرب (الذي تتناقض مع
مواقفك لتؤيده) كان أول دولة في المنطقة طالبت بحق
الصحراويين في تقرير مصيرهم، كان ذلك سنة 1966،
غير أن انقلاب "اصخيرات" غير وجهة نظر الملك
لأسباب إستراتيجية تتعلق أساسا بإنقاذ طبيعة الحكم
عن طريق إبعاد الجيش وتوريطه في حرب طويلة الأمد.
فهل أنت معني بإبعاد الجيش المغربي عن سلطة بلاده؟
.. لا أظن ان ذلك كان مرسوما من بين أهداف "فارس
التغيير" المترجل.
ورغم أنني لن اعتبرك قارئا بليدا لتاريخ النزاع
الصحراوي، إلا أنني أذكرك بان الأمم المتحدة،
المعروفة بتبعيتها للدوائر الأمريكية والفرنسية
والاسرائلية، وما يعنيه ذلك من دعم للمغرب، لم تجد
ـ رغم البحث الدؤوب ـ أي مسوغ او مبرر قانوني
تعتمد عليه، ولو شكليا، لتأكيد مغربية الصحراء
الغربية، فأرغمها الحال على وضع ملف الصحراء
الغربية تحت تصرف اللجنة الرابعة المعنية بتصفية
الاستعمار. وبالتالي فالمنظومة الدولية، بالرغم من
انحيازها، أسمته استعمارا؟ فكيف تتجرأ ـ وأنت
المناهض للظلم ـ بدعم الاستعمار جهارا؟ .. لست
ارضي لك بجهل تاريخ هذا النزاع المرير، وان كنت
أرى من الضروري تذكيرك بان حكم محكمة لاهاي سنة
1976 أكد انه لا توجد تاريخيا علاقة تبعية بين
المغرب وقبائل الصحراء، وان من حق الصحراويين
تقرير مصيرهم بأنفسهم. فهل تريد أن تكون اقل عدالة
من قضاة لاهاي المعروفين بالذيلية؟ .. أمر يعنيك
على كل حال، ففي النهاية (والدنيا فسطاطان) أنت حر
في اختيار القبلة التي تراها مناسبة لان توليها
وجهك.
حري
بي أيضا ان أحيطك علما بان فقهاء تاريخ الدولة
الإسلامية أكدوا، بعد تمحيص دقيق، أن بإمكان دولة
إسلامية ما أن تدعي أن رقعة ما كانت تابعة لها
تاريخيا إذا توفرت ثلاثة شروط تداول العملة،
وجباية الضرائب والدعوة على المنابر ولا احد اليوم
(اثري او سائح او مهرب او قاطن) يمكنه ان يقدم لك
قطعة درهم مغربي واحدة، او بقيتها، عثر عليها في
الصحراء لتكون دليلا على أن عملة الدولة الإسلامية
المغربية (بجميع أسمائها) كانت متداولة في الصحراء
الغربية. ولا توجد وثيقة واحدة، في أرشيف المغرب
وغيره، تحمل ما يؤكد أن عمال المخزن المغربي كانوا
يجيبون الضرائب على قبائل الصحراء. كما لم يكن
أبدا للرحل الظاعنين بحثا عن الكلا منابر حتى
يدعون للملك عليها؟ .. فهل تريد أن تجبر التاريخ
على ما لا يعرف؟ .. لم نكن نتصور أن مثلك من
الحالمين أن يكون ثاني الاثنين: الغرب وحكام
العرب!! .. فالغرب أغمض عينه عن موطن الحق خدمة
لمصالحه، وحكام العرب هم ما هم عليه من الطغيان
ومساندة الباطل.
وهكذا اجتمع الاثنان على ظلم الصحراويين فلا يوجد
اليوم مجتمع ممنوع من ممارسة جزء من دينه غير
الصحراويين، فالسعودية ترفض حجهم من غير جواز سفر
مغربي وهم يرفضون حمل جواز سفر بلد أجنبي .. فكيف
تقبل التموقف ضد مجتمع مظلوم حتى في دينه؟ انك
تعمل جاهدا على طمس بريقك بعد أن دخلت شرك الإعلام
المغربي ولعبت اللعبة الدرويشية القذرة وكان أجدى
بك ان تظل كما عهدناك رمزا للشهامة والدفاع عن
المستضعفين والمغتصبة حقوقهم .. ولكن لا عليك
فعندما يصبح العهر السياسي فضيلة، وتصبح سفالة
المواقف نبلا فان على "الفرسان" السلام ..