المجلة | الهدى |مدونة الصحراء | الجوال | مواقع  صفحة الإنجليزية| مقالات | سجل الزوار | إتصل بنا

قصة قصيرة

 

جرعـــات الألـــــم

بقلم : الناجم بشري

انطلق مسرعا وما في "الفريق" اسعد منه كالريشة في مهب الريح تحركها ذات اليمين وذات الشمال 
يطارد أسراب الفراشة وزغردت العصافير التي كانت تشاطره فرحته وسعادته

وفي هذا الجو البديع الذي تجلت فيه عظمة الخالق في خلقه هنالك في ارض الصحراء حيث ارتدت الطبيعة فستان العروس المزركش بروائع الألوان والعطور وفاتنة الزهور حيث الطبيعة والهواء النقي الذي لا يشيبه شائب

في يوم لا هو بارد ولا هو حار ظل احمد هائم على وجهه بين سفوح الأودية وظلال الشجر يتجرع من ماء البركة و يعبق  الأزهار ويركض من مكان لآخر ومن شجرة لأخرى فلم يلبث حتى راء الشمس التي بزغت منذ قليل تزاول منتصف النهار هنالك تذكر انه خرج دون علم من أهله فكان لابد له من إخبارهم انه فيما هو فيه فقد حان وقت الغداء وقد تأخرت عن أمي الحنون التي لا تحفل بغيابي عنها لأني جمالها وسعادتها وفلذة كبدها الوحيد كما كانت تقول لي دائما

ترددت هذه العبارات ومرادفاتها في ضمير احمد فأخذت ما أخذت من الوقع في نفسه حينها عزم على العودة إلى مكان تجمع تلك الخيم التي تجمع الأهل والجيران "لفريج" لكن بعكس تلك الخطوات التي أتى بها حيث اخذ يقف مرة ويخطو خطى متثاقلة يعاين فيها ذلك الوأد الجميل وتلك الأشجار الخضراء وألوان الزهور وبرك الماء التي تسقط عليها أشعة الشمس فتعطي منظرا غاية في الإبداع .

ولكن الوقت تأخر فكان عليه الذهاب ، فيرغم نفسه مجاهدا فيها على ذلك فيعيد نظراته المفتوحة إلى قدميه عله لا يرى إلا ما تحتها فيخف عنه ذلك السحر الذي تمكن من نفسه وعواطفه وأعصابه وفي كل شي ما هي إلا بضع خطوات حتى يعيده فيسقط على تلك الجبال التي تطاول السماء طولا وتضاهي الجمال جمالا ، فيرى تلك الأشجار التي تتدرج في صعود الجبال ، طامحة بلوغ مرامها إلا على فوق القمم ، وثغرات الماء المنسكب من أعاليها فيراها كما يرى انصباب الخمر مدمنها ، ويرفع رأسه إلى الأعلى فيرى سحاب متحرك من أسراب الطيور ترافقها  وأغاني من الزغاريد البديعة فوقف محتارا لا هو إلى الذهاب ولا هو إلى الإياب

ولو استطاع إن يقسم نفسه ليذهب بنصفها ويبقى بباقيها لفعل دون ادني تردد ، وبعد حيرة دامت طويلا في تفاعل مع الطبيعة الساحرة طرح على نفسه أسئلة المتأثر المفتون بجمالها وعظمتها .

هل سأكون عظيما كالجبل ؟

هل سأطمح صعود المعالي ؟

ترددت هذه الأسئلة وغيرها المستمدة من تأثير الطبيعة في نفس احمد فطارت به بعيدا بعيدا إلى أعالي الأفق

أسئلة ليت الزمان طال ليجد لها جوابا!

وفي هذه الأثناء شعر أهله الوافدون من مخيمات اللاجئين الصحراويين إلى منطقة امهيريز المحررة بأنه قد تأخر تأخرا لاعتد لهم به

بعدما انتظرته أمه بفارق الصبر من التاسعة صباحا فلم يأتي إليها وبعد صلاة العصر ازداد شعور أمه وكافة لفريج بالفزع حينها تحركت سيارتي لاندروفر بحثا عنه في كل مكان

في نفس اللحظة بادل احمد شعور أمه فانطلق كالسهم المريش صوب لقائها لإخبارها بما شاهد اليوم

آه ليت قوس الطبيعة لم يرمي هذا السهم الجميل ، وليت الوتر تقطع قبل خروجه ، فعاد  أدراجه  وعاد استحضار تلك الصور التي ظنها لن تفارقه ليحكيها لامه التي طال وطال غيابه عنها .

 وليت القدر نام عنه ليحكي قصته ؟

وليت الأم لقت أخر زفرات نفسه لتأخذها في رحلة السحر التي غيبته عنها كل ذلك الوقت

وعندما وصل منتصف الطريق وجد الموت في انتظاره قي ثوب ذلك الجسم الغريب ذات المفاتيح ألولبية والأسلاك التي تفنن صانعوها في مشابهتها بتلك الطبيعة الساحرة حتى تأسر الفريسة فطار فرحا وسرورا ظنا منه أن هذا ما سيكمل السعادة ويتمم الفرحة

حيث تصورها كتصور كل طفل بري لاعتد له بالحرب ولا علم له بالاتها المدمرة التي زرعت هنا ومناك لقتل الحياة

فاعتقد أنها لعبة جميلة جمال الطبيعة لكنها ساقته إلى الموت المحتوم وليتها كما اعتقدتها فراح يقلبها بين راحتيه يمينا وشمالا وكله فرحا وسعادة مكررا هذه العبارات لعبتي وبأنانية الطفولة ضمها إلى صدره فكانت المخلب الذي انقرز في قلبه مخلفتا دويا هز سيارات الاندروفير التي غرقت في دخان القنبلة

بصوت الرعد ليتجهوا نحوه بأقصى سرعة يمكن ان تكون ليجدوا احمد ولكن ! ليجدوا ذلك البرعم الصغير طريح الأرض ملطخا بالدماء وقد بترت يداه ورجله اليمنى ولم يدركوا منه إلا بضع كلمات كانت عالقة في قلبه مفادها

أين أمي أمي آه آه لقد تأخرت سامحيني أرجوك أرجوك

حيث بكى كل الحاضرين لغياب منتو عن سماع خلاصة عمر قصير في كلمات ذهبية مرسومة بيد فنان قدير يدعى البراءة والصدق الذي لانظير له ، وكيف لا وهي من فم صبي ذبل في عمر الزهور

لتصعد روحه الطاهرة إلى عليين ، فقد كانت أمه في السيارة الأخرى فلم تصل حتى سبقها الموت إليه لترى المشهد الذي تشيب له الولدان لتنصب عليه قائلة آه ولدي العزيز فلم تكمل حتى غاب عنها الوعي وهي تقبل زهرة لاعتزال في مقتبل عمرها قد قطعت قبل أن تتمتع برائحتها الفواحة واغسلنه بعبراتها

فراحت الشمس ترثيه وتعزيها بأشعة الغروب آملة أن لأتغرب لهول ما رأت وهي تنادي صديقها الليل بان يتقدم عله يحد من معاناة أم وأهل هذا الصبي البري براءة الذئب من دم يوسف من الحرب والغزوات التي عصفت بالمنطقة دهرا طويلا

بأي ذنب رحل ضحيتها هذا البطل الطموح الذي كانت أحلامه فوق أحلامنا لأذنب له غير انه أراد أن تحكي له بلاده عن سحرها وجمالها ، وروعتها لتحكي له قصة كلها مأساة وألم

بأي ذنب فقدت تلك الأم سعادتها التي لا تملك غيرها في هذه الدنيا ، غير أنها أرادت أن ترى أرضها وتسعد فيها لتسعد بطريقة مختلفة لن تنساها بفقدان فلذت كبدها

بأي ذنب شرد شعبا بأكمله غير انه أراد العيش حرا طليقا

 

مجلة الرسالة مجلة الكترونية تصدر عن موقع الرسالة الإعلامي
 
البريد الالكتروني
hama_1984_1@yahoo.fr

الرسالة 2006/200
9
الصحراء الغربية