|
صيحة تحذير من خطورة التكفير
إن ظاهرة التكفير أصبحت قضية تؤرق وتشغل بال الدول والمجتمعات
وتعقد لدراستها الملتقيات والندوات بسبب ما تحدثه من ترويع
للامنين وسفك لدماء الابرياء وزعزعة للامن والاستقرار وزرع
البلبلة والتغرير بالشباب وتضييعهم في سراب الوهم ، وسبب من
اسباب تدخل الغرب في شؤوننا الداخلية بحجة محاربة الارهاب.
ولم يكن مجتمعنا بمعزل عن التأثر بهذا الفكر الغريب الذي إذا
حل باي مجتمع شتت اوصاله وهدم بنيانه وزرع الفرقة والتجريح بين
افراده ، فهو كالسرطان ينخر في جسم الانسان.
وهذا الفكر الدخيل على مجتمعنا الصحراوي اصبح يهدد امن و
استقرار المجتمع في ظل التساهل غير المقبول من سلطات الدولة
والذي يظهر ضعف تسييرها وسيطرتها على الامور في اكثر من موقع
!؟
فاصبح المجتمع بين مطرقة التكفير وسندان التنصير فعدم تحكمها
من المنابر التي تخاطب الجمهور وتتحكم في عقولهم وتلهب حماسهم
لما يلقى في المساجد التي تبنى خارج سلطة وإطار الدولة وتبث
سموم التكفير والتحريض ضد مبادئ المجتمع وتشكك في الثوابت
الدينية والوطنية معا. وعجزها امام الحملات التنصيرية
ومهرجانات مسخ الثقافة ونشر الفساد يطرح اكثر من سؤال؟
إن الجدال في عدالة قضيتنا وإسلام شعبنا ضرب من ضروب الترف
الفكري الذي لا فائدة من ورائه و اراد الاعداء تصديره الى
نفوسنا في هذه المرحلة الصعبة بالذات، وكانت محطة الاستقبال
لدى الكثير من شبابنا جاهزة فاحتضنت هذا الفكر بسبب التحمس
للدين وحسن النية وإن كنا حاولنا في البداية إخفاؤه وانه
فقاعات صابون ستضمحل وتختفي لانه فكر دخيل وغريب على مجتمع
التسامح والثوابت ، لكن الواقع حكى لنا العكس حيث زادت حزمة
المنضمين للركب الجديد وكثرت الاشاعات عن غرائب فكره ، فتارة
يهاجم المجتمع ويحكم عليه بالكفر والجاهلية ، وقد احدث هذا
فوضة في اوساط الكثير من العائلات التي تاثر ابناؤها بهذا
الفكر وانقطع الكثير منهم عن الدراسة، بحجج واهية حرمتهم
التعلم والتبصر في علوم الدين والدنيا
وتارة يمس من المبادئ الوطنية ويشكك في مشروعية جهادنا
ومقاومتنا للعدو الغازي؟ بحجة اننا نقاتل مسلمين رغم ان
المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول :" من قتل دون عرضه فهو شهيد
" والتشكيك في شهادة من قضو نحبهم في ميدان العز والشرف. ومن
هنا كان لابد من البحث في اسباب انتشار الظاهرة ومناقشت اصحاب
هذا الفكر لانهم اخواننا وابناء جلدتنا ونحب لهم الخير اتباعا
لقوله صلى الله عليه وسلم :" لايؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما
يحب لنفسه "وان يكون لهم دور فعال في بناء المجتمع بدلا من
استنفاد طاقاتهم الفكرية والعضلية في التخريب من حيث لا يعلمون
وإذا حاولنا ان نعرف الاسباب الحقيقة لانتشار الظاهرة فهي إما
دينية تنطلق من حماس هؤلاء للدين ولتطبيق شريعة الاسلامية بسبب
الفساد المنتشر في كل بقاع الارض وابتعاد العالم عن شريعة
السماء وهذا السبب دفعهم لتاؤيل ايات خلاف ما فهمها السلف
الصالح في تكفير المجتمع مثل اية (ومن لم يحكم بما أنزل الله
فأولئك هم الكافرون) التي قال في تفسيرها ابن طاوس ليس كمن
يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله وقال عطاء: كفر دون كفر وظلم
دون ظلم وفسق دون فسق كما رواه ابن جرير وعن ابن عباس قال ليس
بالكفر الذي تذهبون إليه ورواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح
على شرط الشيخين ولم يخرجاه. فهل هم اعلم ام علماء السلف
الصالح الذين كانوا احرص على تطبيق شريعة الرحمان .
واكثر الذين تأثروا بهذا الفكر قدموا به من دول الجوار خاصة
الذين درسوا بالمعهد السعودي بموريتانيا حيث كان يحرض على
العنف وتكفير الحكام وتجهيل المجتمعات تحت غطاء الجهاد ،
بشهادة من درسوا بالمعهد او الذين درسوا في الجزائر في فترة
الثمانينيات والتسعينات وتأثروا بالحركات الاسلامية ، وكان
الدافع الاكبر في الغالب هو الحماس غير المبني على قواعد
الشريعة التي احسنت احكام كل شيء وتنظيمه، فهولاء لايدركون
اولويات العمل الدعوي والمقاصد التي جاءت الشريعة لحفظها من
حفظ الدين والنفس والعقل و العرض والمال والمصلحة التي اينما
كانت فثم شرع الله، لكن من يفهم هذه المعاني وهو الذي شحن
بالحقد ضد امته وشعبه والاحاديث النبوية التي تأمر بالاعتدال
والوسطية وتحذر من الغلو والتطرف كقوله صلى الله عليه وسلم
:"القصد القصد تبلغوا " وقوله : "هلك المتنطعون ..." و " ما
شاد الدين احد إلا غلبه " و " من رغب عن سنتي فليس مني" ”من
صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما
لنا وعليه ما علينا“.
وقد حذر صلى الله عليه وسلم من كل دواعي التكفير والخروج عن
جماعة المسلمين (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض
)،(سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، ( (من قال لأخيه: يا كافر
فقد باء بها أحدهما). وحديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما عند
البخاري وغيره: أنه قتل رجلا شهر عليه السيف فقال: (لا إله إلا
الله) فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم أشد الإنكار، وقال:
أقتلته بعدما قال: (لا إله إلا الله)؟ فقال: إنما قالها تعوذا
من السيف؟ فقال: هلا شققت عن قلبه؟! وفي بعض الروايات: كيف لك
بـ (لا إله إلا الله) يوم القيامة؟ واين نحن من حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم (إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا
الله يبتغي بها وجه الله)وتحذيره عليه الصلاة والسلام من
الخروج على حكام المسلمين وائمتهم بقوله ”إلا أن تروا كفراً
بواحاً عندكم من الله فيه برهان“
وعندما سأله الصحابة عن الذين يأتون في آخر الزمان ويسيئون في
أعمالهم وفي تصرفاتهم ويظلمون الناس قالوا أفلا ننابذهم يا
رسول الله؟ قال {لا ما أقاموا فيكم الصلاة} لما في الخروج
عليهم من مفسدة عظيمة وتشتيت المسلمين وإضعاف قوتهم في
الخلافات والانشقاقات
ولا يمكن ان نرد على كل تلك الشبه في سطور وإنما يمكن الرجوع
الى العلماء الذين اشبعوا المسألة بحثا وكفونا مشقة البحث
امتثالا لقول ربنا تعالى {فاسالوا اهل الذكر إن كنتم لا
تعلمون}
ثانيا :
الجهل والتغرير,فالكثير من اصحاب هذا الفكر لاعلاقة له اصلا
بدراسة العلوم الاسلامية ولا يحمل أي شهادات علمية في المجال ،
ضف الى ذلك بروز بعض الطلبة في الريادة وهم ممن درسوا بكوبا
والمعروف ان كوبا شيوعية لا تدرس العلوم الاسلامية وإن كان
هؤلاء في الغالب اهل تقوى وتدين وإخلاص ودافعهم هو الغيرة وحب
الدين ، لكن الغيرة والعاطفة لا بد ان تضبط بضوابط الشريعة
والعقل ، لان كثرة العبادة ليست دليل على العلم ولا على ان
الشخص معه الحق لقوله صلى الله عليه وسلم ”يخرج فيكم قومٌ
تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم،
ويقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق
السهم من الرمية“ بل ورد في احاديث انهم يقتلون اهل الاسلام
ويدعون اهل الاوثان
ثالثا :
الدراسة بالخارج فكبار العقول التي تزرع هذا الفكر درسوا
بالمعهد السعودي بموريتانيا قبل ان يتم غلقه ويمكن ان نعتبره
المصدر الرئسي لتصدير الفكر الى عقول شبابنا.
رابعا : الحالة الاجتماعية
التي يعيشها الشباب من بطالة وعدم اكتراث الدولة لحالتهم ،وهو
ما يفسر سرعة تقبل الشباب لهذه الافكار. ولان العلم ضئيل يولد
تلك الفتاوى المتشددة والغير متزنة .
خامسا :
وجود بعض البدع و الخرافات و العادات والتقاليد ، المخالفة
لصميم الاسلام كالذبح ودعاء الاموات وتعليق التمائم وتصديق
الكهان والعرافين " لقزانة " والتي يجهل الكثيرين انها مخالفة
للدين وهذه امور كلها زادت من بعد هؤلاء عن مجتمعهم وجعلتهم
ينظرون الي انه مجتمع جاهلي خلاف ما تقتضيه الشريعة التي تدعوا
الى معالجة كل الامور بالحكمة والموعظة الحسنة :" ادعوا الى
سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن " لا
بالتي هي اخشن.
سادسا :
غفلة المسؤولين عن مراقبة الافكار الوافدة وتضييق الخناق عليها
ومتابعة اصحابها، وقد سبق الحديث عن عدم إدارة المساجد وتوظيف
اهل التخصص والصلاح .
سابعا:
غياب مرجعية علمية تقوم بالتوعية الدينية وعلماء يرجع اليهم في
النوازل ويبصرون العامة بالحق ويحذرونهم من الباطل ، وهذ ما
سبب الفوضى في الفتاوى ، وتداخل الفقه الحنبلي الوافد بالفقه
المحلي المالكي ووقوع الخلاف بسبب عدم الالمام بالفقه المقارن
، واستراد فتاوى لا تراعي خصوصيات المجتمع الصحراوي كفرض
الجلباب بديل للملحة والمعروف ان الاصل هو توفر شروط اللباس
الشرعي المعورفة ، بل إن الجلباب قد يكون لباس شهرة غريب على
المجتمع ولباس الشهرة حذر منه الشرع .
ثامنا :
بروز تيارات جهادية على الساحة كتنظيم القاعدة ، و محاولته جلب
الانصار والاتباع بكل الوسائل الاعلامية الجذابة ، والتي تعتمد
على اسلوب الترغيب والترهيب ، وقد تاثر الشباب به في كل انحاء
العالم .
عاشرا :
الاحتلال المغربي الذي يريد ربط الصحراويين بالارهاب فقد ثبت
تورطه في محاولة نشر هذه الافكار وقد كشفت اسبوعية المحقق
الجزائرية في عددها 113 الصادر يوم السبت 10 ماي 2008 ، عن
محاولة النظام المغربي اغراء احد امراء الجماعة المسلحة
بالجزائر "عبد الحق العيادة" في التأثير على عقول الطلبة
الصحراويين في الجامعات الجزائرية وتجنيدهم في الجماعة
الاسلامية لهذا التيار واستخدامهم في عملياته وبعد انتقالهم
الى عاصمة الصحراء الغربية العيون المحتلة يتم اعتقالهم وتوجه
لهم تهمة الانتماء الى جماعة ارهابية جزائرية ، وطلبوا منه ان
يعترف بذلك في وسائل الاعلام ، ويصور الصحراويين وجبهة
البوليساريو على انهم ارهابيون، لكن "العيادة" رفض الخطة
المغربية حسب ما صرح به لوسائل الاعلام ، ولهذا تم تسليمه
للجزائر. هذه هي جملة الاسباب الرئيسة ، وليس الغرض منها تشويه
احد ولا تتبع عوراته بقدر ما هي نصيحة لابناء هذا الوطن الحبيب
من ان يتثبتوا حتى لايقعوا في شراك الاعداء ويصبحوا معول هدم
ضد مجتمعهم وبلدهم ، فلا بد من تمحيص كل ما يفد من افكار فليس
كلما يلمع ذهبا ولا كل مصقول الحديد يكاني ، ورغم هذا كله يبقى
المجتمع الصحراوي ضحية للافكار الغريبة الوافدة والعابرة لكل
الخطوط الخضراء والحمراء من تجاذبات التكفير الذي ينمي الحقد
والكراهية ويسبب الفتن الى تنصير يضعف الوازع الديني ويطمس
الهوية الصحراوية الملتزمة بالتعاليم الاسلامية ، ويشجع
الانحلال الاخلاقي وينشر الفساد والرذيلة، دون من يراقب او
يحاسب ، فماذا جنى المجتمع الصحراوي من هذه الافكار سوى تشكيك
الناس في دينهم، وتنفيرهم من السنة النبوية والاحكام الشرعية ،
وتفريق المجتمع الى طوائف واحزاب والله سبحانه وتعالى يقول :"
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا .." .
فلنعتبر بما حولنا وما يحدث في دول الجوار من حصاد مر ، وامور
جسيمة يرفضها الشرع والعقل والفطر السليمة، فالخطر جسيم واليوم
تنظير وتكفير ، وغدا فتن وقتل و تفجير، هذه صيحة تحذير والعاقل
من اعتبر بغيره والاحمق من اعتبر به غيره . |